تمرّ أزمة المنطقة حالياً بمنعطفات عدة يُراد منها توسيع رقعة مفاعيلها السياسية والعسكرية، وصولاً إلى إطلاق عجلة انضمام دول المنطقة، وربما إيران أيضاً، إلى عملية السلام الإبراهيمي باعتبارها ضامناً لأي مستقبل قائم على السلم والاستقرار والتنمية.
ففي ظل ما يُحكى عن وجود حراك صاروخي إيراني، بالتزامن مع احتمالية التوصل إلى تفاهم بين الأميركيين والإيرانيين، تتجلى تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك حساباته ومعادلاته.
إن ما يقلق المتابعين والمراقبين وصنّاع القرار في المنطقة بشكل أساسي يتمثل في منع انتقال نفوذ إيراني أكبر في المنطقة في حال إبرام أي اتفاق غير مضبوط.
ومن هنا، ذُكر أن الرئيس ترامب أعلن أنه لن يوقّع أي اتفاق مع إيران ما لم تكن الشروط واضحة ومتحققة. إلا أنه يتبين من مواقفه الأخيرة أنه يتجاوز الاتفاق مع إيران إلى ما هو أبعد، إذ يسعى إلى تحقيق "السلام من خلال القوة"، كما أن لديه رسائل داخلية أميركية يحتاج إلى إيصالها عشية الانتخابات الجزئية، وفي ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة.
وفي هذا الإطار، ثمة نهج يتبعه الرئيس ترامب وفريق عمله حالياً يقوم على مبدأي التدرجية والتماثلية، أي "أعطيك شيئاً وتعطيني شيئاً بالمقابل"، في وقت تتزايد فيه شكوك دول إقليمية، ولا سيما الخليجية منها، إضافة إلى إسرائيل، حول قابلية إيران للالتزام بالملفات النووية والفصائلية والصاروخية وغيرها.
وفي هذا السياق، قُدمت قراءات متضاربة لما يحصل حالياً في مجال التفاوض، إذ توجد وسائل إعلام "شبه منحازة" ومراكز أبحاث تعتمد على التسريبات، فيما تتبنى جهات أخرى سردية مختلفة تستهدف الرئيس ترامب وسياسته، وتعارض ما يطرحه هو وإدارته. وقد أدى هذا الخلط بين التسريبات والمواقف الرسمية إلى ضياع وضوح الصورة لدى الجمهور والرأي العام.
وقد وضع البنتاغون خططاً واضحة لضرب مواقع داخل إيران، واتُّخذ القرار "من دون انتظار مرجعية سياسية"، مع مراقبة دقيقة لأي قرار عسكري إيراني، سواء كان دفاعياً أم هجومياً، بما في ذلك عمليات زرع الألغام، بالتوازي مع ظهور نية لتنفيذ ضربات محددة كوسيلة لردع إيران وإظهار أن "الإصبع على الزناد" أميركياً، في ظل سباق دائم بين خطر التصعيد وإمكانية استخدام إيران للمراوغة وكسب الوقت.
وفي واشنطن، طُرحت وجهة نظر مفادها أن تردد ترامب قد يشجع إيران على مزيد من الاستفزازات، سواء عبر زرع الألغام أو تحريك الصواريخ أو تهديد دول الخليج، وأن هذا التردد هو الذي يشجعها على المضي في هذه السياسات. لذلك، ثمة اعتقاد لدى بعض الجمهوريين بأن التردد يساهم في تمكين إيران، وبالتالي في زيادة المخاطر الإقليمية.
لكن الخيارات لا تزال مفتوحة أمام الرئيس ترامب، ومنها الملف المالي، حيث يطالب النظام الإيراني بالأموال المجمدة. وقد نوقش هذا الموضوع في إطار مطالبة إيران برفع القيود عن أموال مجمدة، ومطالبتها بالحصول على 12 مليار دولار من أصل 24 مليار دولار يُفترض أن تكون متاحة عند توقيع مذكرة التفاهم المرتقبة، إذ إن النظام يريد اثني عشر مليار دولار من أصل أربعة وعشرين ملياراً.
غير أن الإفراج عن أي مبلغ يثير قلقاً دائماً من احتمال استخدام النظام لهذه الأصول في دعم وتمويل الأذرع التابعة له وإعادة ترميم قدرات ذاتية تُعد خطيرة على أمن المنطقة والعالم، ومن هنا فإن جزءاً من النقاش يتمحور حول آليات صرف هذه الأموال ومراقبتها.
أما في ما يتعلق بالتخصيب والبرنامج النووي الإيراني، فقد ذكرت تقارير أن إيران وصلت في مراحل سابقة إلى يورانيوم مخصب بنسبة تقارب 60%، نتيجة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب.
لكن في المقابل، يتبين أن ترامب خلال ولايته الأولى اتخذ إجراءات كبرى، شملت إغلاق الحدود، وضرب تنظيم داعش، وقتل قاسم سليماني، وتجفيف مصادر التمويل الإيرانية المرتبطة بتهريب المخدرات وغسل الأموال. وقد أشير إلى أن هذه الإجراءات "أضعفت" القدرات الإقليمية لإيران وأسهمت في القضاء على حلم الخلافة الإسلامية.
فالرئيس ترامب يريد تحقيق السلام من خلال القوة، كما أن هناك دوافع انتخابية مرتبطة بكأس العالم وأسعار النفط ونسب الإقبال الانتخابي وحظوظ الحزب الجمهوري في مجلس النواب، وكلها أولويات تدخل في حسابات البيت الأبيض.
ورغم المعارضة الداخلية من الديموقراطيين، فإن الرئيس ترامب يبدو مرتاحاً سياسياً، إذ لا كأس العالم، ولا الانتخابات النصفية، ولا الوضع الاقتصادي الضاغط الناتج عن أزمة أسعار النفط، قادرة على التأثير في استراتيجيات البيت الأبيض في المنطقة، لأن لكل مشكلة حلاً، تماماً كما حصل خلال جائحة كوفيد عندما ضخ أموالاً من الاحتياطي الفدرالي وأغرق السوق بالنفط الأميركي.
وعلى الصعيد الدولي، باتت المواقف حيال إيران وما يُوصف ببلطجة نظامها أكثر وضوحاً وتماسكاً من السابق، إذ ذُكرت ضمانة صينية وتنسيق روسي – صيني – أميركي حول بعض الملفات، بالتوازي مع تغير في موقف الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في ما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز.
كما تم الحديث عن وجود ضمانة صينية، وأن الروس أيضاً يقفون على صفحة واحدة مع الصينيين والأميركيين في عدد من الملفات.
ومن نافل القول إننا أمام ملامح نظام عالمي جديد، حيث أدى تداخل المصالح الدولية إلى تعقيد الخيارات الإقليمية، ومن هنا برزت مسألة اتفاقيات إبراهيم وردود فعل الدول الخليجية والإقليمية تجاهها.
فقد نوقش دور اتفاقيات إبراهيم وحرص ترامب على ضم دول إقليمية إلى مسار العلاقات مع إسرائيل، مع الإشارة إلى مخاوف هذه الدول من أن تصبح أهدافاً لاحقة لإيران، كما حصل عندما تعرضت الإمارات لضربات سابقة.
لذلك، فإن الرئيس ترامب يريد لهذه الدول أن تنضم إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، إلا أن لديها مخاوف من أن يؤدي هذا الانضمام إلى استهداف البنى التحتية والسياحية والدبلوماسية للدول التي تطبع مع إسرائيل.
علماً أن تجربة التطبيع الإبراهيمي الأخيرة أظهرت فوائد ملموسة للدول المنخرطة فيه، كما في حالة المغرب الذي حصل على دعم عسكري وتقني واقتصادي غير مسبوق، إضافة إلى تعزيز أمن دول الخليج، ولا سيما البحرين والإمارات.
وفي هذا الإطار، تُطرح رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على إعادة تشكيل نظام عالمي جديد، بعلاقات متوازنة لا تعتمد على طرف واحد، مع إعطاء الأولوية للتنمية والتنوير والحلول السياسية، ومنها حل الدولتين في القضية الفلسطينية.
فالتوجهات الحالية والمتطلبات الملحة تتجه نحو تأمين الأمن والأمان من إرهاب الدولة الذي يمارسه النظام الإيراني ومن آفة المخدرات، إضافة إلى الرغبة في تطوير المنطقة وتنميتها بعيداً عن أي عدائية، لا مع إسرائيل ولا حتى مع إيران.
ومن الناحية الجيوسياسية، تبرز لدى العديد من دول المنطقة حاجة إلى أن تقوم العلاقات الإقليمية على المصالح المتبادلة، وأن تُزال المخاوف المشروعة، مع التركيز على سيادة الدول والتنمية باعتبارهما محور الأمن، والانتقال من خطاب الشعارات إلى إجراءات تنموية ملموسة، بالتوازي مع ضرورة مواجهة اختطاف الدين والوطنية من قبل عقائد ومعتقدات إقليمية.
ومن هذه الزاوية، تبرز معضلات إيرانية تطرح سلسلة من التساؤلات، منها: من سيتحمل فعلياً مسؤولية مراقبة أو إدارة أي أموال مجمدة يُفرج عنها لإيران؟ وهل ستُستخدم لأغراض مدنية أم لصالح الفصائل والأذرع التابعة لها؟
وهل سيسمح الاتفاق المحتمل بخفض التخصيب النووي إلى مستويات آمنة وثابتة، أم أن اليورانيوم المخصب بنسبة تقارب 60% سيبقى نقطة احتكاك أساسية؟
وهل سيقبل ترامب، أو أي إدارة أميركية مستقبلية، بمقايضات مالية مقابل تنازلات فصائلية وصاروخية من الجانب الإيراني؟
وهل سيتحول الضرب العسكري المخطط له داخل إيران إلى تنفيذ فعلي أم سيبقى مجرد أداة ردع؟
وكيف ستتوزع المسؤوليات الإقليمية في حال أعادت الصين وروسيا تقديم ضمانات مقابل تغير مستوى النفوذ الأميركي في المنطقة؟
تبقى الضبابية سيدة الموقف في العديد من الملفات، بانتظار القرار الفاصل والحاسم من المكتب البيضاوي. وقد خرج اجتماع حكومة الرئيس ترامب التقييمي بالأمس بمواقف عادت إلى التشدد حيال النظام الإيراني، والتأكيد على ضرورة قبوله بالشروط الأميركية، وفي مقدمتها وقف البرنامج النووي والتخصيب، والتخلص من خطر أي تخصيب مستقبلي، وفتح مضيق هرمز، ورفض أي "تسيّد" إيراني عليه، سواء مادياً أو تجارياً أو عسكرياً.
وكلها تشكل شروط الحد الأدنى قبل الدخول في أي تفاوض أو توقيع أي تفاهم.