بعد دعاء استهل به رئيس اللجنة الدينية في المجلس المذهبي الشيخ عصمت الجردي الافتتاح، القى شيخ العقل كلمته: "يسعدني ويشرفني أن تلتئم القمة الروحية هذه في دار طائفة الموحدين الدروز في بيروت، وكأنها تلتئم في دار أي منكم، شاكرا لكم ثقتكم ومحبتكم وتجاوبكم مع دعوتنا، ومقدرا حضوركم ومشاركتكم الكريمة، آملا أن يكون لمشهد الأخوة الذي يجمعنا أثر في إبراز حقيقة وطننا القائم على التنوع في الوحدة، شكلا ومضمونا، وعلى الأخص في مثل هذه الحال المريرة التي يتعرض فيها لبنان لانتهاك سيادتهالوطنية وتهديد كيانه. لقد تداعينا معا كرؤساء روحيين إلى عقد هذه القمة، شعورا منا بالواجب الأخلاقي والروحي والوطني، وذلك بهدفتأكيد التضامن في مواجهة المخاطر، وتمتين الوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي، والحفاظ على الركائز الاجتماعية والوطنية التي يقوم عليها الوطن، ودعما وحثا للمسؤولين والفرقاء اللبنانيين كافة لتغليب المصلحة الوطنية على ما عداها، وحرصا على التزام مبادئ الميثاق الوطني الذي يجسد ميزة التنوع والتكامل في المجتمع اللبناني، وبغية توجيه رسالة موحدة لدعم الدولة وشد أزرها في مهمة تجاوز المحنة وإنقاذ البلاد وبناء المؤسسات".
وقال: "إن المسؤولية الملقاة على عاتق كل منا تحتاج إلى نوايا طيبة للتفاهم والحوار، وإلى فكر مستنير للمساءلة والإصلاح وحلحلة العقد، وإلى أيد عاملة قوية لرفع الركام وبناء الدولة من جديد. فلا أحد يرحمنا ويحتضننا إذا لم نرحم بعضنا بعضا وإذا لم نحتضن جميعنا الدولة، ولا قوة شرقية أو غربية تحمي الوطن ما لم يحمه شعبه الواحد الموحد. علينا أن نكون على مستوى المسؤولية والتحدي، نشد أزر بعضنا بعضا، ونحتكم إلى دستور البلاد، ونحيي في شعبنا روح الصمود والثبات وصيغة العيش الواحد المشترك. نحترم حقوق كل منا وتاريخ وتضحيات جميع العائلات اللبنانية وهواجس أبنائها ودماء شهدائها. إذا قاومنا فمن أجل لبنان، وإن تحاورنا في ما بيننا فمن أجل لبنان، وإن تفاوضنا بثقة فلخلاص لبنان، ولاؤنا يجب أن يكون للوطن، نحميه فيحمينا، وللدولة نركن إليها فترعى وجودنا وتصون أمننا".
اضاف: "من البديهي القول إن هناك تباينات في المقاربات والمواقف بين القيادات السياسية، ومن الواجب التأكيد بأننا لسنا هنا لننقل تلك التباينات المعقدة إلى طاولة القمة الروحية، أو لإصدار اتفاقات ملزمة أو قرارات نهائية حول نقاط الاختلاف والتباين. ليس من شأن القادة الروحيين تبني مواقف سياسية والتصلب في الدفاع عنها، في وقت يعقدالشعب اللبناني آماله على وحدتنا لتكون ضمانة للسلم الأهلي والوحدة الوطنية، وينظر اللبنانيون والمراقبون إلى القادة الروحيين باعتبارهم عنوانا للتلاقي الإنساني العقلاني الذي يشكل صمام الأمان للوطن. لذلك نحن اليوم هنا، نلتقي على طاولة المحبة والأخوة،لنطلق كلمة طيبة وموقفا أخلاقيا ورسالة أبوية، ولنتعهد أمامالشعب اللبناني بأننا لن نسمح بقطع حبل المودة الذي يربطفي ما بيننا مهما قست الظروف، وبأننا لن ندخل إلى ملعب السياسة لنؤدي أدوارا دفاعية أو هجومية، بل لنكون الحكمالعادل والناصح الأمين، أما إذا تخلفنا عن تأدية واجباتناالوطنية والاجتماعية الأساسية، لا سمح الله، فسينعكس ذلك عند اللبنانيين خيبة أمل وامتعاض، وهذا من المحال. إن رسالتنا كمرجعيات روحية هي رسالة إنسانية أخلاقية. نوجّه النصح من خلالها ونرفع الصوت تحذيرا وتنبيها، بعقلانية ووعي وحكمة، وبمحبة ورحمة وأخوة، وتلك هي الأقانيم الثلاثة التي تجمعنا، مسيحيين ومسلمين، أما التحديات والسجالات فليست من شأننا ولا من مهامنا، بل إن مهمتنا هي دوما تقريب المسافات وإيجاد المساحات المشتركة وتوسيعها، بضبط الإيقاع في ما بيننا، لا بشحن النفوس وتأجيج الخلافات".
تابع: "رسالتنا هي رسالة الشراكة الروحية الوطنية التي لا ينجح إصلاح وإنقاذ إلا تحت مظلتها، وهي الدعوة الدائمة لصون المجتمع وحفظ الوطن، بعيدا عن منطق الغلبة أو الإلغاء، ووفق شراكة متوازنة بين مكوناته، وفي كنف دولة جامعة تشكل الإطار المرجعي للجميع فوق أي انقسام، ونحن جميعنا معنيون بالمساهمة في بناء هذه الدولة، وبالعمل معا لتسخير إمكانياتنا الوقفية والمعنوية لتنمية المجتمع ورعاية العائلات المحتاجة. ومع دعائنا لله سبحانه وتعالى، نوجه الدعوة للمسؤولين للتعاون من أجل خلاص الوطن وإنقاذه، ونناشد الأشقاء والأصدقاء والدول المؤثرة للتدخل الصارم لوضع حدا للاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة، ولرعاية إبرام الاتفاقات الواقعية لإنهاء الحرب، إذ ليس من الواقعي ومن غير المجدي أن نفاوض من موقع ضعف أو انكسار، أو أن نستسلم مذعنين للعدوان، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نتعامل بإيجابية مع سبل الخلاص دون أن نغرق في مواجهات مدمرة غير محسوبة النتائج أو نتراشق في ما بيننا ونترك العدو يمعن في هدم ديارنا وجرف قرانا، وعلينا أن نؤكد التفافنا حول الدولة وتأييدها في سعيها لإيقاف الحرب واستعادة الأرض وتأمين العودة الآمنة للنازحين الى ديارهم، ولكن من يضمن التزام إسرائيل بأي اتفاق؟ وهي الدولة العدوانية المتغطرسة، التي تحتم علينا أطماعها أن نبقى متيقظين ومتحدين، وأن نتيقن أن الوحدة الوطنية هي درعنا الأقوى، وأن التضامن الروحي والاجتماعي هو سلاحنا الأمضى. رسالتنا هي التأكيد بأن التعدد ليس ترفا يجب تخطيه، بل شرف يجب أن نغنيه، على مساحة لبنان الكبير الذي ارتضاه لنا أجدادنا، حيث لا إلغاء لأي مكون لبناني مهما كان حجمه العددي أو لونه العقائدي، ولا تماه مع المشروع الإسرائيلي المدمر للصيغة اللبنانية، بل جل ما نحتاجه هو عقل هادئ رصين، يعيد إحياء القاعدة الذهبية القائلة بواجب كل عائلة روحية المحافظة على شريكتها في الوطن، ويعيد إحياء الوعي اللبناني بضرورة التفاعل والتشارك لبناء الدولة وتحصين الوجود".
ختم: "أكرر الترحيب بكم وأرجو الله أن يوفقنا لتحقيق ما نصبو إليه معا، وأشكر كل من ساعدنا في تحقيق هذا اللقاء، من أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة ومن الهيئة الوطنية للحوار الإسلامي المسيحي ومن الجميع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".