لا تبدو الهدنة القائمة اليوم، وفق قراءة مرجع ديبلوماسي لـLebTalks، نتيجة تبدل جذري في موازين الصراع بقدر ما تعكس حدود القدرة لدى الأطراف المنخرطة فيه. فالمشهد الميداني الذي تبلور خلال الأشهر الأخيرة رسم وقائع جديدة على الأرض، أبرزها حجم الخسائر التي مُني بها "حزب الله" على مستوى البنية العسكرية والقدرات البشرية، إضافة إلى فقدان مساحات واسعة من مناطق النفوذ العملاني في الجنوب، وصولاً إلى سقوط مواقع ذات قيمة استراتيجية ورمزية، من بينها قلعة الشقيف التي تحولت إلى واحدة من أبرز صور التحول الميداني الحالي.
وتشير المعطيات المتداولة في الأوساط الديبلوماسية والعسكرية إلى أن إسرائيل لا تزال تحتفظ بحرية حركة واسعة تمتد من الجنوب إلى البقاع والسلسلة الشرقية، في ظل استمرار الغطاء الأميركي للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
ويقول المرجع إن واشنطن كانت تدرك منذ البداية أن أي قرار باستهداف بيروت لم يكن ليقف عند حدود ضرب أهداف محددة أو تنفيذ عمليات اغتيال أو تدمير بنى تحتية، انما كان يحمل في طياته احتمال انتقال العمليات إلى مراحل أكثر اتساعاً.
لذلك جاء التدخل الأميركي في اللحظة الأخيرة لاحتواء مسار كانت نتائجه مرشحة للذهاب أبعد بكثير من حدود الضربات الموضعية، وقد أظهرت الأيام الماضية حجم القلق الأميركي من انزلاق المواجهة نحو مستويات يصعب ضبطها لاحقاً.
ويرى المرجع عينه أن ما يحصل اليوم لا يرقى إلى مستوى اتفاق جديد بقدر ما يمثل استكمالاً لصيغة كانت قائمة بصورة غير معلنة، عنوانها إبقاء العمق اللبناني ضمن دائرة المواجهة المباشرة. أما العنصر المختلف هذه المرة، فيكمن في التزام الحزب بعدم توسيع نطاق الاستهداف داخل إسرائيل، الأمر الذي قد يدفع تل أبيب إلى الاكتفاء بالوقائع التي فرضتها ميدانياً بانتظار اتضاح صورة المسار التفاوضي الأميركي - الإيراني.
يضيف أن موافقة "حزب الله" على هذه التفاهمات، جاءت تحت وطأة واقع ميداني وسياسي ضاغط. فالحزب، بحسب تقديره، وجد نفسه أمام هامش مناورة ضيق للغاية بعد سلسلة الضربات التي طاولت قياداته وبنيته العسكرية وخطوط إمداده، فضلاً عن تراجع حرية حركته جنوب الليطاني وتزايد الضغوط المرتبطة بملف السلاح وانتشار الجيش اللبناني في مناطق واسعة من الجنوب.
وتتلاقى تقارير ومراكز أبحاث دولية عدة على الإشارة إلى أن الحزب يواجه واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ تأسيسه، بعد استنزاف متراكم أصاب قدراته البشرية والعسكرية وفقدانه عدداً كبيراً من القادة الميدانيين وتعرض جزء مهم من بنيته اللوجستية لضربات متتالية، في وقت تتحدث فيه تقديرات غربية عن انتقال إسرائيل من هدف الحسم السريع إلى إدارة حرب استنزاف طويلة تستهدف منع الحزب من استعادة قدراته السابقة.
وخلاصة المشهد، وفق المرجع، أن الهدنة الحالية نتيجة ميزان قوى فرضته الوقائع الميدانية، لذلك تبدو أقرب إلى فترة انتظار طويلة تراقب خلالها الأطراف اتجاه الرياح الإقليمية، أكثر مما تبدو مقدمة لتسوية نهائية أو استقرار طويل الأمد.