في وقت يتزايد فيه الحديث عن اتفاقات محتملة ووقف لإطلاق النار على أكثر من جبهة، يعود إلى الواجهة سؤال يفرض نفسه بقوة، ماذا سيحصل للمناطق التي احتلتها إسرائيل خلال الحرب، وهل يؤدي أي اتفاق سياسي إلى انسحاب تلقائي منها أم أن الأمور تسير وفق حسابات مختلفة تماماً؟
العميد المتقاعد منير شحادة يرفض التعامل مع هذا الملف بمنطق التمنيات، ويؤكد في حديث خاص لموقع LebTalks أن التجربة التاريخية مع إسرائيل تفرض قراءة مختلفة لما يجري على الأرض، انطلاقاً من عقيدة ثابتة تعتمدها اسرائيل منذ تأسيسها.
ويشير شحادة إلى أن إسرائيل اعتادت استخدام مصطلح "المنطقة العازلة" كلما تقدمت داخل أراضٍ جديدة، تحت عنوان حماية المستعمرات وتأمين الحدود ، إلا أن الوقائع التاريخية تظهر أن هذه المناطق لا تبقى دائماً موقتة كما يتم الترويج لها في البداية.
ويشرح أن هذا النموذج تكرر في أكثر من ساحة، من جنوب لبنان إلى جنوب سوريا وغزة والضفة الغربية، حيث يجري تقديم التوسع الميداني كإجراء أمني مرحلي، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى واقع تسعى إسرائيل إلى تكريسه لافتاً إلى أن الجولان السوري يبقى المثال الأكثر وضوحاً على هذه المقاربة التي تراهن على الزمن بقدر ما تراهن على القوة العسكرية.
وعن إمكانية الانسحاب من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة، يرى شحادة أن أي حديث عن انسحاب تلقائي فور توقيع اتفاق أو إعلان وقف لإطلاق النار لا يستند إلى معطيات واقعية، لأن القرار الإسرائيلي في مثل هذه الملفات يرتبط بمجموعة عوامل سياسية وعسكرية متداخلة.
ويؤكد أن العامل الأول يتعلق بمضمون الاتفاق نفسه، فإذا تضمن نصوصاً واضحة وآليات ملزمة وجدولاً زمنياً محدداً للانسحاب تصبح فرص التنفيذ أكبر، أما إذا اقتصر على ترتيبات أمنية عامة ووقف للعمليات العسكرية من دون تحديد آليات الانسحاب، فقد تحاول إسرائيل الإبقاء على وجودها في بعض المواقع تحت ذريعة المتطلبات الأمنية.
أما العامل الثاني، بحسب شحادة فيتمثل في حجم الضمانات الدولية والأميركية المرافقة لأي اتفاق، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والأمم المتحدة لعبتا تاريخياً دوراً محورياً في ترتيبات الحدود ووقف النزاعات، وأن قوة الضمانات وآليات الرقابة تبقى عنصرا أساسياً في تحديد مدى الالتزام بأي تفاهم.
وفي ما يتعلق بالعامل الثالث، يلفت شحادة إلى أن الوضع الميداني يبقى حاسماً إذ إن إسرائيل قد تتمسك بالنقاط التي توفر لها أفضلية عسكرية أو استخبارية إلى حين التأكد من تنفيذ البنود الأمنية التي تطالب بها.
ويتوقف شحادة عند ما يُعرف إعلامياً بالخط الأصفر والمناطق التي تقدمت إليها القوات الإسرائيلية خلال الحرب، موضحاً أن التجارب السابقة تظهر أن إسرائيل تسعى دائماً إلى الاحتفاظ بالأوراق الميدانية التي يمكن استخدامها لاحقاً في المفاوضات، لكنها في المقابل لا تبدي عادة رغبة طويلة الأمد في البقاء داخل الأراضي اللبنانية إذا حصلت على الترتيبات الأمنية التي تعتبرها كافية، لأنها تدرك أن وجود قواتها داخل لبنان يضعها تحت ضغط الاستنزاف اليومي.
وعن السيناريو الأقرب إلى الواقع، يرجح شحادة أن توافق إسرائيل في نهاية المطاف على الانسحاب من معظم أو كامل المناطق التي دخلتها، سواء تحت تأثير المفاوضات الأميركية الإيرانية أو نتيجة إصرار طهران على أن تكون الساحة اللبنانية جزءاً من أي تفاهم محتمل، إضافة إلى تأثير الضغوط العسكرية التي قد تمارسها المقاومة، إلا أن هذا الانسحاب سيكون مرتبطاً بشروط وترتيبات أمنية وضمانات محددة.
ويشدد على ألا شيء يؤكد حصول انسحاب فوري بمجرد إعلان وقف إطلاق النار، موضحاً أن المواقع التي تعتبرها إسرائيل ذات أهمية استراتيجية مرتفعة ستكون على الأرجح آخر ما يمكن أن تتخلى عنه خلال أي مفاوضات، كما حصل في اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024.
ويضيف شحادة أن هناك مؤشراً آخر لا يجب تجاهله، يتمثل في امتداد الخط الأصفر نحو البحر أيضاً، معتبراً أن هذه النقطة قد تحمل دلالات تتعلق بالملف البحري، خصوصاً أن إسرائيل أبدت خلال السنتين الماضيتين مواقف متكررة أوحت برغبتها في التملص من اتفاقية الترسيم البحري الموقعة عام 2023.
ويختم شحادة بالتأكيد أن أي انسحاب كامل لن يكون نتيجة وقف النار بحد ذاته، وإنما سيكون انعكاساً مباشراً لميزان الضغوط العسكرية والسياسية والدبلوماسية التي ستفرض نفسها على طاولة التفاوض، حيث تُحسم في النهاية مصائر الأراضي المتنازع عليها أكثر مما تُحسم في البيانات والإعلانات السياسية.