كتب شادي هيلانة:
في لبنان، لا تُقاس التحولات الكبرى دائماً بحجم الضجيج الذي يرافقها فبعض الملفات تتقدم فيما تكون آثارها أعمق من عشرات المواجهات السياسية المباشرة، ومن بين هذه الملفات يبرز اليوم مشروع اللامركزية الإدارية الذي عاد إلى واجهة النقاشات السياسية والإدارية، وسط تقديرات متزايدة تعتبر أنه قد يتحول خلال السنوات المقبلة إلى أحد أكثر المتغيرات تأثيراً في بنية النفوذ الداخلي وتوازناته.
وبحسب أوساط متابعة تحدثت لـLebTalks، فإن أهمية اللامركزية لا ترتبط فقط بإعادة توزيع الصلاحيات بين الدولة المركزية والإدارات المحلية، وإنما بما يمكن أن تنتجه من واقع جديد يسمح للمواطن بمقارنة مباشرة بين أداء المناطق المختلفة على مستوى الخدمات والبنى التحتية والاستثمارات والإدارة المحلية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من المحاسبة الشعبية والسياسية.
وتشير المعطيات المتقاطعة التي تتابع هذا الملف إلى أن النقاش الدائر حول اللامركزية تجاوز منذ فترة طويلة البعد الإداري التقني، إذ بات يحمل أبعاداً سياسية واضحة خصوصاً في ظل قناعة متنامية لدى عدد من القوى السياسية بأن النموذج اللامركزي قادر على إظهار الفوارق التنموية بين المناطق اللبنانية بطريقة يصعب إخفاؤها أو تبريرها بالشعارات التقليدية التي حكمت المشهد خلال العقود الماضية.
وتلفت الأوساط عينها إلى أن المناطق التي نجحت في جذب الاستثمارات، وتنشيط اقتصادها المحلي، وتطوير خدماتها البلدية، ستجد نفسها أمام فرصة لإظهار هذا التقدم بصورة أكثر وضوحاً، فيما ستواجه المناطق التي تعاني من تراجع الإنماء وغياب المشاريع وضعف الخدمات أسئلة متزايدة حول أسباب هذا التأخر، خصوصاً في ظل ما تصفه هذه الأوساط بالأثمان الاقتصادية والتنموية التي ترتبت على خيارات حزب الله ومواجهاته المتكررة خلال السنوات الماضية، ومع تفاقم الأزمة المعيشية بات المواطن اللبناني أكثر حساسية تجاه ملفات الكهرباء والمياه والبنى التحتية وفرص العمل والخدمات اليومية، وأقل استعداداً لتقديم الأولويات السياسية على احتياجاته الحياتية المباشرة.
تضيف أن جوهر الرهان المطروح لا يرتكز على إسقاط "الحزب" أو أي طرف سياسي آخر بصورة مباشرة، وإنما على نقل النقاش العام إلى مساحة مختلفة تماماً، حيث تصبح النتائج الملموسة والمعايير التنموية وجودة الإدارة هي محور التقييم والمحاسبة، لا الشعارات والانقسامات التقليدية، وعندها تدخل القوى السياسية جميعها في اختبار من نوع آخر، اختبار تقاس فيه الأحجام بقدرتها على تحقيق الإنجازات وتحسين حياة الناس، لا بقدرتها على إدارة الصراعات أو توظيفها.
وفي هذا السياق، تتوقف الأوساط عند مجموعة من التقارير الدولية التي صدرت خلال الأعوام الأخيرة عن مؤسسات متخصصة في الحوكمة والتنمية المحلية، والتي خلصت بصورة متكررة إلى أن توسيع صلاحيات الإدارات المحلية وتحسين استقلاليتها المالية يسهم في رفع مستوى الخدمات وتعزيز الشفافية وزيادة فعالية الإنفاق العام، وهي خلاصات دفعت عدداً من الدول إلى توسيع نطاق اللامركزية كخيار إصلاحي طويل الأمد.
وتعتبر أن ما يمنح هذا الملف زخماً إضافياً اليوم هو التبدلات التي يشهدها لبنان بعد سنوات من الانهيار المالي، إذ لم يعد الحديث مقتصراً على الإصلاح السياسي بمعناه التقليدي، لا بل بات يتصل مباشرة بقدرة المناطق على إدارة شؤونها وتحسين ظروف سكانها واستقطاب المشاريع والاستثمارات، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد الذي يحظى به المشروع داخل الأوساط السياسية والاقتصادية على حد سواء.
وترى الأوساط أن السنوات المقبلة قد تشهد انتقال النقاش اللبناني من سؤال من يملك النفوذ إلى سؤال من يملك القدرة على تحقيق التنمية، ومن ينجح في تقديم نموذج إداري واقتصادي أكثر فعالية ، وعند هذه النقطة تحديداً تبدأ معايير جديدة بالتشكل داخل الحياة السياسية اللبنانية، معايير قد تعيد رسم الأحجام والأدوار والصور الذهنية التي استقرت طويلاً في وعي اللبنانيين.
وخلاصة المشهد وفق القراءة المتداولة داخل دوائر المتابعة، أن اللامركزية لم تعد مجرد بند إصلاحي مؤجل في أدراج الدولة، وإنما مشروع يحمل في طياته إمكانية إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والسلطة المحلية، وإعادة ترتيب أولويات الحياة السياسية برمتها، وهو ما يفسر حجم الاهتمام المتصاعد به، وحجم الترقب لما قد ينتجه إذا انتقل من إطار النقاش إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على الأرض.