ورقة عمل بين "ملتقى التأثير" و"كونراد اديناور"

Untitled

في اطار التعاون بين ملتقى التأثير المدني ومؤسسة كونراد اديناور - لبنان حول مسار "الامن القومي اللبناني: مقاربات دستورية متعددة الاختصاصات"، نشرت المؤسستان ورقة عمل تحت عنوان "الامن القومي اللبناني: في الشرعية الدستورية واستقلالية القضاء كركيزتين مؤسستين!".

الورقة التي اعدها العميد الركن المتقاعد رياض شيا ورد فيها: "لقد عرف لبنان منذ الاستقلال ازمات سياسية متلاحقة، الا ان السنوات الاخيرة كشفت بصورة اكثر وضوحا حجم التآكل الذي اصاب مؤسسات الدولة. فالتعطيل المتكرر للاستحقاقات الدستورية، والفراغ الرئاسي، والشلل الحكومي، والتفسيرات الانتقائية للنصوص الدستورية، والتدخلات السياسية في عمل القضاء، كلها عوامل ساهمت في اضعاف شرعية الدولة وتراجع قدرتها على ممارسة سلطتها بصورة فعالة وعادلة. كما ادى غياب المحاسبة، وتسييس العدالة، واستفحال الفساد، الى انعدام ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، ما جعل الاستقرار اللبناني هشا وقابلا للاهتزاز عند كل ازمة سياسية او اقتصادية او امنية.

من هنا، تبرز اهمية الربط بين الامن القومي والشرعية الدستورية واستقلالية القضاء. فالدولة التي تفقد احترام الدستور، او التي تتحول فيها العدالة الى اداة سياسية، تصبح عاجزة عن تحقيق الامن المستدام، لان الامن الحقيقي لا يقوم فقط على الردع، بل على شرعية السلطة وثقة المواطنين بالمؤسسات. فعندما يشعر المواطن ان القانون يطبق بصورة انتقائية، وان القضاء خاضع للتوازنات السياسية والطائفية، تتراجع فكرة المواطنة ويزداد الانقسام في المجتمع، ما يهدد السلم الاهلي والاستقرار الوطني".

واستطرد الكاتب: "في الحالة اللبنانية، يكتسب الدستور اهمية مضاعفة بسبب الطبيعة التعددية للمجتمع اللبناني وحساسية التوازنات السياسية والطائفية. فالدستور اللبناني، ولا سيما بعد الاصلاحات التي ادخلت عليه بموجب اتفاق الطائف، شكل اطارا لتنظيم المشاركة السياسية وتوزيع الصلاحيات بين السلطات، بما يهدف الى حماية السلم الاهلي ومنع العودة الى الحرب الاهلية. الا ان التطبيق العملي اظهر وجود فجوة كبيرة بين النصوص الدستورية والممارسة السياسية. فقد شهد لبنان خلال العقود الماضية اهمالا للدستور وعدم التقيد بما نص عليه، او التفافا عليه باعتماد التفسيرات المناقضة للدستور وفق الاهواء والمصالح السياسية. فادى الامر الى حالات متكررة من تعطيل المؤسسات الدستورية، وتأخير الانتخابات، والتمديد للمجالس النيابية، والفراغ في رئاسة الجمهورية، وغير ذلك من سلوك لا يمت للدستور بصلة. تطرح هذه المسألة السؤال التالي: كيف يسهم الالتفاف المتكرر على الدستور، او تفسيره الانتقائي، في اضعاف شرعية الدولة اللبنانية وتقويض الامن القومي؟"

اضاف الكاتب: "من هنا، فان حماية الامن القومي اللبناني تبدأ عمليا باعادة الاعتبار للدستور بوصفه مرجعية ملزمة للجميع، لا مادة للتفاوض السياسي او التفسير الانتقائي. لان الدولة التي لا تحكم بقواعد ثابتة، تصبح عاجزة عن حماية استقرارها وسيادتها على المدى الطويل."

وختم شيا: "رغم اهمية الاصلاحات الدستورية والقضائية، الا ان تطبيقها يواجه مجموعة من التحديات المعقدة المرتبطة بطبيعة النظام السياسي اللبناني. فالنظام القائم على المحاصصة الطائفية يجعل كثيرا من المؤسسات خاضعة للتوازنات السياسية بدل الكفاءة والمؤسساتية. كما ان القوى السياسية غالبا ما تنظر الى القضاء والمؤسسات الدستورية باعتبارها ادوات ضمن الصراع السياسي، وليس كسلطات مستقلة يجب حمايتها. ويضاف الى ذلك تأثير الازمات الاقتصادية والاجتماعية، حيث ادى الانهيار المالي الى اضعاف قدرات الدولة ومؤسساتها، وزيادة معدلات الفقر والهجرة، ما انعكس سلبا على الاستقرار العام. كما ان التدخلات الاقليمية والدولية في الشأن اللبناني تشكل تحديا اضافيا امام بناء دولة قوية ومستقلة، لان الانقسامات الداخلية كثيرا ما ترتبط بصراعات ومحاور خارجية. ورغم هذه التحديات، فان الاصلاح يبقى ضرورة ملحة وليس خيارا ثانويا، لان استمرار الوضع الحالي يهدد بزيادة الانهيار المؤسساتي وتعميق الازمة الوطنية."

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: