الإفادة ليست شهادة... والأسبوع المقبل مصيريّ

192548899820

كتب ريشار حرفوش في صحيفة "نداء الوطن":

مع كل أزمة سياسية أو أمنية أو اجتماعية تعصف بلبنان، يعود إلى الواجهة نقاش يكاد يكون محفوظًا عن ظهر قلب: هل تُجرى الامتحانات الرسمية أم يُلجأ إلى الإفادات؟ وبين من يرفع شعار "حماية الطلاب" ومن يتمسك بالحفاظ على قيمة الشهادة اللبنانية، يضيع جوهر النقاش الحقيقي: هل تشكل الإفادة حلا فعليًا للطلاب أم أنها مجرد ترحيل للأزمة إلى مراحل لاحقة؟

هذا العام أيضًا، يتقدّم عشرات آلاف المرشحين إلى امتحانات الشهادات الرسمية والشهادات المهنية، وسط ظروف استثنائية تعيشها البلاد. وكما كانت العادة، بدأ الحديث عن إمكان استبدال الامتحانات بإفادات بحجة الأوضاع القائمة، وكأن هذه الوصفة تحولت إلى العلاج السريع لكل أزمة، رغم أن التجارب السابقة أظهرت أن كلفتها التربوية والأكاديمية قد تكون أكبر بكثير من مكاسبها الآنية، وهذا جوهر شد الحبال الحاصل بين وزارة التربية ولجنة التربية النيابية.

فالامتحانات الرسمية ليست مجرد استحقاق إداري تنظمه الوزارة، بل هي المحطة التي تُقاس من خلالها مستويات التحصيل العلمي الأخير، وتُمنح على أساسها شهادة موحدة، وخصوصًا في ما خص الانتقال من المدارس إلى الجامعات. لذلك، استبدال الشهادة المتوسطة بامتحانات تقييمية خاصة في المدارس أمر غير كارثي، أما الإفادة، فمن حيث المبدأ، فهي في جوهرها اعتراف بإنهاء مرحلة تعليمية من دون المرور بعملية التقييم التي تمنح الشهادة قيمتها الفعلية.

وفي هذا السياق، كشف مصدر تربوي لـ"نداء الوطن" أن "شهادة البكالوريا تُعتبر جسر العبور بين التعليم المدرسي والتعليم الجامعي. لذلك، فإن إلغاء هذه الشهادة واستبدالها بإفادة يؤدي إلى تراجع في مستوى التقييم الأكاديمي، إذ يسمح بانتقال جميع الطلاب إلى المرحلة الجامعية من دون الخضوع لأي امتحان موحد يقيس مستواهم العلمي".

أضاف: "أما على صعيد التعليم الجامعي خارج لبنان، فتُشكّل الإفادة عقبة أمام العديد من الطلاب الراغبين في متابعة دراستهم في الجامعات الأجنبية، التي تشترط في معظم الأحيان إبراز الشهادة الثانوية الرسمية كأحد المستندات الأساسية للقبول، كما تُعدّ هذه الشهادة مستندًا أساسيًا في معاملات معادلة الشهادات الجامعية، كما أن العديد من النقابات، ومنها نقابات الأطباء والمهندسين والصيادلة وسواها، تشترط ضمن ملفات الانتساب إليها إبراز الشهادة الثانوية الرسمية، ما يجعل استبدالها بإفادة مصدر إشكال قانوني وأكاديمي للطلاب في مراحل لاحقة".

تاريخيًا، ليست هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها خيار الإفادات، فقد شهد لبنان محطات استثنائية عديدة دفعت الدولة إلى اللجوء إلى هذا الخيار تحت وطأة الظروف الأمنية والسياسية، إلّا أن التجارب السابقة أثبتت أن الإفادة لم تكن يومًا الحلّ المثالي الذي يعتقده البعض.

وأشار مصدر مواكب للملف إلى أنه في عام 1978، في ذروة الحرب، تم استبدال الامتحانات بإفادات نتيجة تعذر تنظيمها، لكن المفارقة أن وزارة التربية عادت بعد نحو عام ودعت الراغبين إلى التقدم لامتحانات رسمية استثنائية حفاظًا على مستوى الشهادة اللبنانية ومعادلاتها الأكاديمية.

ولفت المصدر لـ"نداء الوطن" إلى أن هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة ظهور مشكلات حقيقية واجهها حاملو الإفادات، لا سيما عند التقدم إلى بعض الجامعات الخاصة في لبنان أو خارجه، حيث كانت الشهادة الرسمية المعترف بها تشكل شرطًا أساسيًا إلى جانب مباريات الدخول أو دراسة الملفات الأكاديمية، وقد وجد عدد من الطلاب أنفسهم مضطرين لاحقًا إلى خوض امتحانات إضافية أو إجراءات استثنائية لإثبات كفاءاتهم العلمية.

وختم المصدر بالتأكيد أن الإفادات الصادرة عن وزارة التربية الفرنسية في ما خص المرشحين السابقين لامتحانات البكالوريا الفرنسية حالتها مشابهة نوعًا ما لما سيحصل عليه طلاب الشهادة اللبنانية، لكن هذا الاستثناء صدر في منطقة الشرق الأوسط بشكل استثنائي، ويعد سابقة لظروف قاهرة".

بدوره، شدد مصدر وزاري على أن "رئيس الحكومة نوّاف سلام ألحّ على ضرورة امتصاص النقمة الشعبية المطالبة بإلغاء الامتحانات، إلا أن وزيرة التربية ريما كرامي تمسكت بحصر صلاحية الإلغاء أو التأجيل بالوزارة، ما أدى إلى احتدام النقاش خلال المداولات".

ولفت المصدر إلى أن "غالبية المدارس الخاصة تتواصل مع وزارة التربية بشكل يومي لحثّها على الاستمرار في موقفها الداعم لإجراء الامتحانات الرسمية رغم تأجيلها، ولا سيما أن هذا التأجيل تزامن مع مؤشرات سياسية مطمئنة توحي بدخول المنطقة مرحلة جديدة على وقع المفاوضات الأميركية - الإيرانية وما قد يترتب عليها من ارتدادات إيجابية".

من جهتها، وبالتزامن مع التحرك المطلبي الطلابي أمام الوزارة والرافض لإجراء الامتحانات، لفتت الوزيرة كرامي من بكركي إلى أن "مطلع الأسبوع المقبل سيكون القرار الحاسم"، قائلة: "التطورات الإقليمية إيجابية وسنتخذ قرارًا توافقيًا بشأن الامتحانات يشمل الجميع ويستجيب للطلبات المتتالية".

إذًا لعلّ المفارقة أن لبنان عاش لعقود طويلة مرحلة كانت فيها أبسط العواصف الثلجية أو الإضرابات كفيلة بإشعال المطالبات بإلغاء الامتحانات ورفع الطلاب تلقائيًا. يومها، كانت الشعبوية تتقدم على الاعتبارات التربوية، وكانت القرارات تُتخذ أحيانًا لإرضاء الشارع أكثر مما تُتخذ لحماية مستوى التعليم.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: