لم تعد العقوبات الأميركية الأخيرة على جمعية "القرض الحسن" مجرد تحديث روتيني للوائح الخزانة الأميركية، فالمشهد هذه المرة يبدو مختلفاً، إذ انتقلت واشنطن من استهداف المؤسسة إلى تفكيك الحلقة التي تديرها من الداخل، واضعة الأسماء والشركات والمسؤولين التنفيذيين تحت المجهر، في خطوة يقرأها مراقبون على أنها انتقال من محاصرة الكيان المالي إلى استهداف بنيته التشغيلية بأكملها، بالتزامن مع ضغوط سياسية وعسكرية وقضائية تتقاطع كلها عند عنوان واحد تجفيف مصادر القوة المالية لحزب الله.
البيان الأميركي لم يقتصر على إدراج أسماء جديدة، وإنما رسم خريطة كاملة للشبكة التي تقول وزارة الخزانة إنها أدارت على مدى سنوات عمليات مالية مرتبطة بقرض الحسن، فشملت العقوبات مسؤولين عن التدقيق والإدارة واللوجستيات والتقييم المالي، إلى جانب شركات محاسبة وتدقيق وشركات تمويل اعتبرتها واشنطن جزءاً من المنظومة المالية التي يعتمد عليها الحزب، في رسالة واضحة مفادها أن الاستهداف لم يعد يلاحق الواجهة، وإنما كل من تتهمه الولايات المتحدة بالمساهمة في استمرار هذه المنظومة.
وتضم اللائحة الجديدة نعمة أحمد جميل، الذي تقول وزارة الخزانة إنه تولى إدارة دوائر التدقيق والأعمال داخل القرض الحسن وأشرف على تقديم خدمات مالية للمؤسسة، كما شملت عيسى حسين قصير المسؤول عن التجهيزات واللوجستيات، وعلي أحمد كريشت المدير السابق لفرع صور، ومحمد سليمان بدير نائب مدير فرع النبطية، وعماد محمد بيض المسؤول عن دائرة التقييم والتخزين وصفقات الذهب، إضافة إلى شركات "تسهيلات ش.م.م." والخبراء للمحاسبة والتدقيق والدراسات بينما كانت واشنطن قد أدرجت سابقاً ناصر حسن نصر، ووحيد محمود صبيطي، وشركة المدققون للمحاسبة والتدقيق ضمن العقوبات نفسها.
وتشير القراءة الأولى لهذا البيان إلى أن الولايات المتحدة تعتبر القرض الحسن شبكة متكاملة تضم إداريين ومحاسبين وشركات وأشخاصاً تتهمهم بإدارة مسارات مالية موازية للنظام المصرفي اللبناني، ولذلك جاءت العقوبات موزعة على مستويات الإدارة والرقابة والتمويل والتدقيق، في محاولة لعزل كل حلقة عن الأخرى، وإغلاق أي منفذ يمكن استخدامه لإعادة بناء الشبكة لاحقاً.
بالتالي، التوقيت لا يقل أهمية عن مضمون العقوبات، ففي بيروت كانت جمعية القرض الحسن قد دخلت في مسار قضائي جديد بعد إحالة الملف إلى محكمة التمييز لإجراء التحقيقات، وفي الوقت نفسه تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية على الحزب في ملف السلاح، فيما تتحدث مصادر متابعة عن دخول لبنان مرحلة مختلفة عنوانها إعادة تنظيم الواقعين الأمني والمالي معاً، الأمر الذي يجعل العقوبات تبدو جزءاً من مشهد أكبر، لا خطوة منفصلة عنه.
وتفيد معلومات خاصة بـLebTalks بأن النقاشات المرتبطة بترتيبات المرحلة المقبلة، ومنها المناطق التجريبية المتوقع أن يبدأ العمل بها خلال أسابيع، ترافقت مع تصعيد مالي أميركي غير مسبوق، ما يعزز لدى أوساط سياسية الاعتقاد بأن الضغط العسكري والضغط المالي يتحركان بإيقاع واحد، وأن الهدف لم يعد يقتصر على تقليص هامش الحركة، وإنما الوصول إلى مرحلة يصعب معها إعادة إنتاج المنظومة المالية السابقة.
وفي هذا السياق، كشف مصدر وزاري لموقعنا عن أن أي ترخيص رسمي لن يمنح مستقبلاً لجمعية القرض الحسن طالما أنها مدرجة على لوائح العقوبات الأميركية، معتبراً أن أي خطوة معاكسة ستضع الدولة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع تداعيات مالية ومصرفية معقدة، وهو ما يجعل خيارات المؤسسة أكثر ضيقاً من أي وقت مضى.
بالتوازي، يرى مصدر قانوني تحدث أن العقوبات الأخيرة لا يمكن فصلها عن التحقيقات القضائية المستمرة، ويعتبر أن ما يحصل يمثل محاولة متدرجة لتجفيف الموارد المالية التي يعتمد عليها الحزب، من خلال تضييق حركة الأشخاص والشركات وإقفال المسارات التي تتهمها واشنطن باستخدام النظام المالي الرسمي لخدمة نشاطات موازية.
أما سياسياً، فيقرأ المصدر على أنه انتقال إلى سياسة التفكيك، فالعقوبات الأخيرة لم تستهدف أفراداً فقط، وإنما أصابت البنية الإدارية والمالية التي تقول الولايات المتحدة إنها تشكل العمود الفقري للنشاط المالي للحزب، وهو ما يرفع مستوى الضغوط إلى مرحلة غير مسبوقة منذ سنوات.
ويخلص المصدر إلى أن الرسالة الأميركية باتت أوضح من أي وقت مضى، إذ لم تعد المواجهة محصورة عند الحدود أو في أروقة السياسة، إنما امتدت بوضوح إلى العمق المالي، تتحرك واشنطن اليوم نحو تضييق الخناق على كل ما تعتبره جزءاً من منظومة التمويل، في مرحلة لبنانية شديدة الحساسية تبدو فيها كل خطوة قادرة على رسم ملامح التوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية في المرحلة المقبلة.