من دمشق إلى بيروت، لا تبدو الزيارات في هذا التوقيت مجرد محطات بروتوكولية، فكل خطوة تحمل في داخلها أكثر مما يُقال، وكل لقاء يُفتح على أسئلة تتجاوز جدول الأعمال المعلن، وبين قصر بعبدا وعين التينة، تتحرك ملفات بقيت لسنوات مؤجلة، فيما تبدو المنطقة وكأنها تعيد رسم أولوياتها على وقع تفاهمات تتشكل، وضغوط تتقدم من أكثر من اتجاه، في لحظة يراقب فيها الجميع ما إذا كانت بيروت دخلت فعلاً مرحلة جديدة من التسويات أم أنها لا تزال في قلب اختبار طويل لم تنته فصوله بعد.
وصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في زيارة رسمية، مستهلاً لقاءاته من قصر بعبدا حيث اجتمع مع رئيس الجمهورية، قبل أن ينتقل إلى عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب، في زيارة تأتي وسط مناخ سياسي بالغ الحساسية، حيث تتصدر ملفات العلاقات الثنائية، وضبط الحدود، والتنسيق الأمني والسياسي، إلى جانب التطورات الإقليمية، جدول الاهتمام الرسمي، فيما تبقى الأنظار متجهة إلى ما هو أبعد من العناوين المعلنة.
أما ما لم يُعلن رسمياً، فيحمل وفق الكاتب والمحلل السياسي أحمد الأيوبي في حديثه إلى LebTalks، أبعاداً مختلفة، إذ يرى أن الشيباني جاء وفي جعبته مقاربة تتصل بالتسوية اللبنانية، مدفوعة بتشجيع أميركي وسعودي، عنوانها الوصول إلى معالجة ملف سلاح حزب الله ضمن إطار تطبيق اتفاق الطائف وبرعاية عربية وإقليمية، ويعتبر الأيوبي أن دمشق تتحرك اليوم في مساحة تختلف عن السنوات الماضية مستفيدة من تبدل المشهد الإقليمي ومن رغبة عدة عواصم في فتح مسار سياسي يخفف من احتمالات المواجهة.
ويشير الأيوبي إلى أن التطورات الأخيرة، وما شهدته سوريا من أحداث دامية، دفعت نحو محاولة إيرانية لتسهيل مقاربة ملف السلاح، في ظل وجود احتمالين لا ثالث لهما، الأول أن تتجه إسرائيل إلى فرض نزعه بالقوة وفي توقيت تختاره، والثاني أن يجري التعامل معه عبر مظلة اتفاق الطائف، وهو ما يفسر، بحسب قراءته، تركيز الوزير السوري على الطائف، باعتباره رسالة طمأنة إلى السعودية، ومدخلاً عملياً لمسار تسوية أوسع لأن السياسة في نهاية المطاف، تقوم على تدوير الزوايا وفتح قنوات الحلول.
يضيف أن دمشق لا تنوي الدخول في حوار مباشر مع حزب الله، إذ إن التواصل، إذا انطلق، سيكون عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، مع حضور الحزب في هذا المسار بصورة غير مباشرة، ويعتبر أن الحزب نفسه وصل إلى مرحلة من الإرهاق، ولم يعد يمتلك هامش الاستمرار في جبهة قتال مفتوحة كما كان في السابق، وهو ما يجعل فرص البحث عن مخرج سياسي أكثر حضوراً من أي وقت مضى.
ولا يقتصر الحراك، وفق الأيوبي، على الجانب الأمني والسياسي، إذ يلفت إلى وجود بعد استراتيجي يرتبط بالطاقة وخطوط النقل الإقليمية، ويقول إن رئيس الجمهورية جوزاف عون فتح خلال زيارته الأخيرة إلى قبرص الباب أمام مشروع الخط الهندي، القبرصي، اليوناني، الإسرائيلي، برعاية فرنسية، وهو تطور أثار انزعاج أنقرة، التي تنظر إلى هذه المسارات على أنها تمس توازنات المنطقة، ويستشهد الأيوبي بموقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أكد أن الأمن التركي لا يقف عند حدود الأناضول، وإنما يمتد إلى بيروت ودمشق، في إشارة تعكس رغبة تركية بدفع مشاريع الطاقة نحو محور سعودي، سوري، قطري، باكستاني، في مواجهة المشاريع المنافسة التي تتشكل شرق المتوسط.
وبين الملفات الأمنية، والتسويات السياسية، وممرات الطاقة، تبدو زيارة الشيباني أكبر من مجرد زيارة رسمية، إذ تأتي في لحظة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية فوق الساحة اللبنانية، فيما يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت هذه الحركة ستنجح في تحويل التفاهمات إلى وقائع أم أن تعقيدات الداخل ستؤجل مرة جديدة أي تسوية تنتظرها المنطقة.