بعد سنوات من الجمود الذي أصاب سوق العقارات في لبنان نتيجة الأزمة المالية، عاد ملف القروض السكنية إلى دائرة الاهتمام مجدداً، مع إعلان مصرف الإسكان تسلّم الدفعة الخامسة من قرض الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، بالتزامن مع تحرك نيابي يهدف إلى تسريع معالجة آلاف طلبات القروض السكنية العالقة. وبين هذين التطورين، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت هذه الخطوات قادرة على إعادة تنشيط السوق ومنح اللبنانيين فرصة جديدة لامتلاك منزل.
ويؤكد الخبير العقاري كريم حمزة، في حديث لـ"LebTalks"، أن ضخ تمويل جديد في مصرف الإسكان يحمل دلالات إيجابية، لكنه لا يعني بالضرورة أن القطاع العقاري مقبل على انتعاش واسع، مشيراً إلى أن السوق لا تزال تواجه تحديات تتجاوز مسألة توافر القروض.
ويعتبر حمزة أن إعادة فتح باب التمويل السكني، حتى ضمن نطاق محدود، ستشجع شريحة من اللبنانيين الذين كانوا قد أرجأوا قرار شراء منزل بسبب غياب القروض منذ عام 2019، لافتاً إلى أن الفئة المستهدفة هي في معظمها من أصحاب الدخل المتوسط الراغبين في شراء مسكنهم الأول.
يضيف أن التأثير المتوقع سيتركز على الشقق ذات الأسعار المتوسطة والصغيرة، إذ إن هذه الفئة تتلاءم مع شروط برامج مصرف الإسكان، بينما سيبقى تأثيرها محدوداً على سوق العقارات الفاخرة التي تعتمد بصورة أكبر على السيولة النقدية.
ولا يقتصر انعكاس أي تحسن في المبيعات على المطورين العقاريين فقط، بحسب حمزة، بل يمتد إلى قطاعات أخرى مرتبطة بالبناء، من شركات المقاولات وموردي مواد البناء إلى المهندسين ومكاتب التخمين والتسجيل العقاري، ما ينعكس حركة اقتصادية إضافية في حال ارتفع عدد عمليات البيع.
ورغم ذلك، يرى حمزة أن قيمة التمويل المتوافر حالياً لا تكفي لإحداث تحول جذري في السوق، إذ إن الدفعة الأخيرة من قرض الصندوق العربي ستغطي عدداً محدوداً من القروض، بينما يحتاج القطاع إلى برامج تمويل أوسع لاستعادة جزء من نشاطه الذي فقده خلال السنوات الماضية.
ويشير أيضاً إلى أن الثقة بالقطاع المصرفي لم تستعد بعد، وهو ما يدفع كثيراً من اللبنانيين إلى التردد في الاقتراض على المدى الطويل، إضافة إلى استمرار تراجع القدرة الشرائية، إذ إن رواتب شريحة واسعة من المواطنين لا تزال أقل بكثير مما كانت عليه قبل الأزمة.
يضيف أن السوق العقارية شهدت خلال السنوات الأخيرة تغيراً في آلية البيع والشراء، حيث باتت غالبية الصفقات تعتمد على الدفع النقدي بالدولار الأميركي أو على تحويلات المغتربين، في حين تراجع دور التمويل المصرفي بشكل كبير.
وفي موازاة ذلك، أقرت لجنة المال والموازنة، برئاسة النائب إبراهيم كنعان، اقتراحاً يهدف إلى تسريع البت بطلبات قروض الإسكان العالقة، بما يسمح بمعالجة ملفات نحو 50 ألف عائلة، إضافة إلى إفساح المجال أمام نحو ألف عائلة جديدة للاستفادة من القروض، في خطوة تهدف إلى تخفيف جزء من أزمة السكن التي تفاقمت خلال الأعوام الماضية.
ويخلص حمزة إلى أن استعادة السوق العقارية لن ترتبط بالقروض السكنية وحدها، بل تحتاج إلى استقرار اقتصادي ومالي، وإصلاح فعلي للقطاع المصرفي، وتحسن في مستويات الدخل، إلى جانب توسيع برامج التمويل، معتبراً أن ما يجري اليوم يشكل بداية إيجابية، لكنه لا يزال بعيداً من تحقيق انتعاش شامل للقطاع.