بين طهران وبيروت وواشنطن... صراع الحسابات الكبرى بوقت ضيق

0

في وقت تغلي فيه المنطقة على نار المفاوضات الأميركية - الإيرانية المتعثرة، وفي ظل الاجتماعات التي عُقدت في الدوحة وشهدت لقاءات منفصلة بين الجانب الإيراني والقطري، والأميركي والقطري، تتقاطع المعطيات والمعلومات حول الآتي:

أولاً: نصّت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران على إرسال واشنطن سيولة بقيمة 24 مليار دولار إلى إيران، وقد بات هذا الأمر في غاية الوضوح، إلا أن تنفيذه وصل إلى مرحلة من التعثّر، بعدما وقع الخلاف على آلية التنفيذ.

ثانياً: جاء في بند الاستثمارات وجود وعود بقيمة 300 مليار دولار لشركات متعددة الجنسيات، وحيال ذلك أيضاً وقع الخلاف بين الدولتين حول الجهة التي ستموّل وكيفية الدخول إلى الأسواق الإيرانية.

ثالثاً: ملف لبنان المرتبط بالمفاوضات، إذ تطالب إيران بحماية حزب الله ومنع الهجمات عليه، في مقابل ضغوط تمارسها الإدارة الأميركية وإمكانية فرض عقوبات وممارسة ضغوط سياسية داخلية.

من هنا، نرى أن سيناريوهات التصعيد مرتبطة بقدرة إيران على التهديد بإغلاق مضيق هرمز، وبقدرة المحور في لبنان على تحريك الشارع لإسقاط الاتفاق الإطاري.

إن الاجتماعات التي عُقدت في الدوحة بمبادرة قطرية لم تشهد لقاءً مباشراً بين الوفدين الإيراني والأميركي، إذ جرى التفاوض بشكل منفصل وعبر قنوات مرئية وغير مرئية.

فالطرفان متفقان على المذكرة الموقّعة بينهما، وعلى وجود تفاهم بصيغة "مذكرة"، مع اتفاق على البنود، إلا أن الخلاف، الذي توقعناه، ظهر في شيطان التفاصيل، وتحديداً في التنفيذ والآليات.

صحيح أن المذكرة تضمنت بنداً بإرسال تحويلات بقيمة 24 مليار دولار من أموال إيرانية مجمّدة إلى طهران، وصحيح أن الاتفاق موجود ولا يرفضه أحد كمذكرة، إلا أن الطرفين يفتقران إلى الثقة ببعضهما البعض لتنفيذ البنود.

وبالنسبة إلى الإيرانيين، فإن تنفيذ المرحلة الأولى، أي المال، هو شرط للتقدّم إلى المرحلة الثانية، أي فتح المرافئ ورفع الحصار، كما أن تكمن أولوياتها في استلام السيولة وبدء تحرّك اقتصادي ورفع قيود الحصار التجاري.

أما بالنسبة إلى واشنطن، فالأولوية تكمن في فتح المجال المائي، وضمان حرية الملاحة، وقطع أي ذريعة لفرض رسوم أو ضرائب على مرور السفن في هرمز.

وبالتالي، فإن الخلاف الرئيسي حالياً بين واشنطن وطهران يتمحور حول ضمانات التنفيذ، وشرعية الأموال، والضمانات المتبادلة.

من هنا، نلاحظ أن الوعد الأميركي بعقود واستثمارات بقيمة 300 مليار دولار لشركات متعددة الجنسيات (MNCs)، يقابله شرط إيراني بتسلّم الأموال.

وقد أوضحت الولايات المتحدة أنها لن تضخ 300 مليار دولار حكومياً، إذ إن الاعتماد سيكون على شركات خاصة.

وبالمقارنة مع قيمة الاستثمارات في اتفاق 2015، حيث كان المبلغ الموعود 150 مليار دولار، فإن 300 مليار دولار من شأنها أن تشكّل استقطاباً هائلاً للاستثمارات. والمعلوم أن للشركات الخاصة في الولايات المتحدة لوبي قوياً في واشنطن، وهي تستهدف قطاعات تمتد من النفط والغاز إلى الكهرباء والطرق والبنى التحتية.

وبموازاة المال كشرط ذي أولوية إيرانية، فإن إيران متمسكة أيضاً بربط ملف لبنان بالمفاوضات، وشرطها عدم استهداف حزب الله أو تحجيمه. فالمذكرة الموقّعة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة ترفضها إيران، وحزب الله لا يرغب في تسليم السلاح، فيما ترفض إسرائيل أي تحرّك مسلح لحزب الله على حدودها.

ولحزب الله والعناصر المحورية في محور المقاومة قدرة شعبية وميدانية على ممارسة الضغط داخل لبنان.

من هنا، استخدمت إيران تهديدات إغلاق مضيق هرمز كأداة ضغط على الأميركيين، لأن هرمز بات بمثابة "الحنفية" الجيوسياسية والجيوـ اقتصادية المؤلمة.

فإذا نفّذت طهران أو حلفاؤها خطوات لنسف الاتفاق في الخليج أو لبنان، سيكون من المتوقع حصول تحرّك إسرائيلي وأميركي في لبنان ضد المحور. فإسرائيل مستعدة للعمل ميدانياً ضد حزب الله، فيما تفضّل الولايات المتحدة حلولاً غير ميدانية، لكنها تملك أدوات ضغط واسعة، خصوصاً أن الرئيس ترامب وإدارته يواجهان جملة من الضغوط التي تتزامن مع قرب الانتخابات الأميركية في شهر تشرين الثاني المقبل، ونتائج الانتخابات النصفية (mid-term) التي ستؤثر في قدرة الإدارة على متابعة الاتفاق مع الإيرانيين، خصوصاً في ظل تنامي الرفض الأميركي الداخلي للاتفاق.

وتشمل أدوات الضغط لدى واشنطن في الشأن اللبناني عقوبات مالية، وتقييداً مصرفياً، وقيود سفر وفرض تأشيرات على شخصيات ومؤسسات، فضلاً عن التهديد بفرض عقوبات إضافية أو تفعيل قوائم في حال استمرار اعتماد سياسات معاكسة.

وفي المقابل، ثمة إمكانية كبيرة أمام الخارجية الأميركية والفدرالي الأميركي لعرض رفع عقوبات عن شخصيات إذا ابتعدت عن مظلة حزب الله والقيادة الإيرانية، كتسوية جزئية. كما أن ثمة قدرات استخباراتية وأمنية أميركية واسعة للتأثير، بالإضافة إلى ضغوط سياسية داخل الكونغرس والدوائر الدفاعية.

وفي الخلاصة، لا تزال المذكرة بين واشنطن وطهران قائمة، إلا أن تنفيذها معقّد بسبب انعدام الثقة بين الطرفين والخلاف حول آليات إرسال 24 مليار دولار ووعود استثمار 300 مليار دولار.

أما لبنان، فيمثّل محوراً مركزياً في التفاوض الإيراني، وأي محاولة لنسف الاتفاق في المنطقة قد تؤدي إلى تحرّكات إسرائيلية وأميركية ومواجهة ميدانية في لبنان لمواجهة إسقاط الاتفاق الإطاري.

من هنا، فإن المرحلة شديدة الحساسية والخطورة في آن، لأن الوقت السياسي أمام إدارة الرئيس ترامب، كما أمام الإيرانيين واللبنانيين والإسرائيليين أيضاً، قصير. والقرار النهائي، سواء في المنطقة أو في لبنان، سيرتبط بالتوازن بين المال والأمن والضغوط السياسية، داخلياً وإقليمياً.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: