بين الشائعات والوقائع، عاد ملف استقالة البطريرك الماروني إلى الواجهة، بعد تداول معلومات عن توجّه داخل الكرسي الرسولي في الفاتيكان إلى تعديل القوانين الكنسية، بما يشمل البطاركة والأساقفة والبابا، ويفرض سقفًا عمريًا محددًا لإنهاء ولايتهم. إلا أن هذه المعلومات أثارت جدلًا واسعًا، وسط تأكيد خبراء في شؤون الفاتيكان أن القوانين الحالية لا تُلزم البطاركة في الكنائس الشرقية، ومن بينهم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بتقديم استقالتهم عند بلوغ سن الخامسة والسبعين، خلافًا لما يُطبَّق على الأساقفة.
في السياق، أشار مصدر فاتيكاني، عبر LebTalks، إلى أن القانون الكنسي ينص على أن كل أسقف أو مطران يبلغ سن الخامسة والسبعين يتقدّم باستقالته، على أن يعود قبولها إلى السلطة الكنسية التي يتبع لها.
وأوضح أن العرف الكنسي يقضي بقبول استقالة الأسقف عند بلوغه السن القانونية، ليُعيَّن خلفٌ له أو يُكلَّف أسقف بإدارة الأبرشية بصورة موقتة إلى حين تعيين أسقف جديد، مشيرًا إلى أن هذا النظام معمول به في الكنيسة اللاتينية، كما تلتزم به الكنائس الكاثوليكية الشرقية المرتبطة بالكرسي الرسولي.
أضاف أن الكنائس الشرقية تتمتع بخصوصية واستقلالية في آلية اختيار أساقفتها، موضحًا أن مجمع الأساقفة، برئاسة البطريرك، يختار الأسماء للمراكز الشاغرة، ثم تُرفع إلى الكرسي الرسولي للحصول على موافقة الحبر الأعظم.
وأكد المصدر أن الأمر يختلف بالنسبة إلى البطاركة، إذ إن رئيس الكنيسة الشرقية غير ملزم بتقديم استقالته عند بلوغه الخامسة والسبعين، كما هو الحال بالنسبة للأساقفة، مشيرًا إلى أن عدداً من البطاركة واصلوا مهامهم بعد هذا السن، فيما اختار آخرون تقديم استقالاتهم بمبادرة شخصية، كما فعل البطريرك الماروني الراحل الكاردينال نصرالله بطرس صفير.
واستشهد بزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان عام 2012، حين ظهر إلى جانبه كل من البطريرك بشارة الراعي والبطريرك المستقيل نصرالله صفير، معتبرًا أن هذا المشهد شكّل أحد العوامل التي شجّعت البابا بنديكتوس لاحقًا على اتخاذ قرار الاستقالة عندما شعر بأنه لم يعد قادرًا على إدارة الكنيسة كما ينبغي.
وأشار إلى أن البابا بنديكتوس بقي يحمل لقب "البابا الفخري" أو "البابا المستقيل"، فيما بقي البابا فرنسيس على رأس الكنيسة حتى وفاته، رغم معاناته الصحية، ما يؤكد أن الحبر الأعظم غير ملزم قانونًا بالاستقالة عند بلوغ سن معينة.
وأوضح أن المبدأ نفسه ينطبق على بطاركة الكنائس الشرقية الكاثوليكية، ومن بينهم البطريرك الماروني، وبطاركة الروم الملكيين الكاثوليك، والأرمن الكاثوليك، والسريان الكاثوليك، والكلدان، والأقباط الكاثوليك، إضافة إلى بطريرك اللاتين في القدس، باعتبارهم رؤساء كنائس يتمتعون باستقلالية ضمن إطار الشركة مع الكرسي الرسولي.
ولفت إلى أن البطريرك الماروني هو أيضًا كاردينال، إلا أن القواعد المتعلقة باستقالة الكرادلة من مناصبهم الإدارية تختلف عن القواعد التي تنظم ولاية البطريرك، إذ يمكن للبابا أن يقبل استقالة الكاردينال أو يمدد له بعد بلوغه الخامسة والسبعين، كما حصل مع عدد من رؤساء دوائر الكرسي الرسولي.
وشدد المصدر على أن ما يُتداول بشأن وجود قرار أو توجه لإلزام البطريرك الماروني بالاستقالة لانه بلغ السن القانونية لا يستند إلى أي أساس قانوني، مؤكدًا أن الكرسي الرسولي لا يعمل بهذه الآلية، ولا يُعدّل القوانين لاستهداف شخص بعينه أو لإقصائه من منصبه.
وأوضح أن تعديل القوانين الكنسية يخضع لإجراءات قانونية معقدة تمر عبر المؤسسات المختصة، وفي مقدمتها دائرة الكنائس الشرقية في الكرسي الرسولي، ولا يتم بقرارات مفاجئة أو عبر تسريبات إعلامية.
أضاف أن البابا لا يستطيع، وفق القانون، إرغام بطريرك شرقي على الاستقالة، لكنه قد يطلب منه ذلك إذا رأى وجود مبررات، ويبقى القرار النهائي للبطريرك نفسه، احترامًا للاستقلالية التي تتمتع بها الكنائس الشرقية.
وختم بالتذكير بما حصل خلال عهد البطريرك أنطون خريش، حين أبدى رغبته في الاستقالة وتزامن ذلك مع تمنٍّ من البابا يوحنا بولس الثاني، إلا أن تعيين مدبر رسولي للكنيسة المارونية آنذاك أثار اعتراض عدد من الأساقفة، الذين اعتبروا أن من حق الكنيسة المارونية، وفق قوانينها الخاصة، أن تختار بنفسها من يتولى رئاستها، وهو ما أدى لاحقًا إلى انتخاب البطريرك نصرالله بطرس صفير، تكريسًا لاستقلالية الكنيسة المارونية ضمن الشركة مع الكرسي الرسولي.