جعجع لـ"الحزب": "حملناكم 40 سنة وانتهى الأمر"

geagea

أكد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، أن رئيس الجمهورية جوزاف عون ماضٍ تماماً في خياره المتعلق بصيغة الإطار ومسار التفاوض، مشيراً إلى أن المشكلة ليست في الأصوات المعارضة للصيغة، بل في "الخروج عن بعض الأدبيات السياسية"، وبالتالي من ينتقدها عليه أن يطرح بديلاً عنها".

ولفت إلى أن لبنان قطع حتى الآن "60 أو 70 في المئة من الطريق باتجاه قيام دولة فعلية في لبنان، والدليل هو المفاوضات التي تقوم بها السلطة اللبنانية، سواء كانت على خطأ أو على صواب، ما يشير إلى وجود سلطة لبنانية مستقلة تقوم هي بالمفاوضات، ولا تترك إيران تفاوض عن لبنان، وبالتالي القطار أصبح على السكة. والمسألة الآن هي أن يقطع كل المسافة المطلوبة منه".

وقال: "عملياً، من حق أي شخص أن ينتقد، لكن من ينتقد موقفاً معيناً عليه أن يخرج بموقف آخر، ومن ينتقد خطوة معينة عليه أن يطرح البديل، من هنا، برأينا، وانطلاقاً من الواقع الموجود في لبنان في الوقت الحاضر، ومن الوضع القائم في المنطقة، لا بديل عن صيغة الإطار. فمنذ خمسين سنة وحتى اليوم، هل رأينا مرة أي سياسي لبناني يقول إنه يجب أن نتفاوض مع إسرائيل؟ أبداً، ولا في يوم من الأيام. لكن الوضع الذي وجدنا أنفسنا فيه، وبالأخص في السنتين أو السنوات الثلاث الأخيرة، وضعنا في مأزق لا خروج منه إلا بمحاولة الاتفاق والتفاوض. والطريقة التي تصرّف بها الحزب، من دون وعي ومن دون حسابات ومن دون منطق، هي التي أوصلت البلد إلى هذا المأزق".

وتابع: "لنفترض أننا وضعنا اتفاق الإطار جانباً، فكيف على السلطة اللبنانية والدولة اللبنانية أن تتصرفا للخروج من هذا المأزق؟ البعض يطرح مَخرجين غير صيغة الإطار. المخرج الأول هو أن نكمل القتال ونستمر فيه، لكن ما تبيّن منذ الأسابيع الأولى من القتال هو أن موازين القوى مختلفة بشكل كبير جداً. وبالتالي، فإن متابعة القتال تعني الاستمرار حتى تدمير آخر قرية في آخر منطقة في لبنان، وبعد ذلك إلى أين نصل؟ إلى لا مكان. فيما البعض الآخر يطرح أنه، بدلاً من اتفاق الإطار ومسار واشنطن، فلنذهب إلى مسار إسلام أباد. وهنا أريد أن أوضح نقطة مهمة جداً: مسار إسلام أباد هو مسار قائم بين أميركا من جهة وإيران من جهة أخرى، وبالتالي كل فريق من هذين الفريقين يسعى إلى الحفاظ على مصالحه، هذا ليس مساراً قائماً بين لبنان وطرف آخر، بل بين أميركا وإيران. وعندما تتحدث إيران في مسار إسلام أباد، فهي تتحدث انطلاقاً من مصالحها في لبنان، وليس من مصالح اللبنانيين في لبنان".

وبعدما أشار إلى أن "ما بعد الاتفاق على أرض الواقع يشبه ما قبله، أوضح رئيس القوات أن مسار إسلام آباد أعطى لبنان وقف إطلاق نار نظرياً على الورق، وبتعبير مبهم، إذ ورد في الاتفاق بشكل عام شاملا الجبهات كلها، بما فيها لبنان. لكن الأهم من ذلك أنه عندما تطالب إيران بوقف إطلاق النار في لبنان، فهي تطالب به في محاولة للحفاظ على مكاسبها في لبنان، وفي محاولة للحفاظ على “الحزب” في لبنان".

أضاف: "في هذا السياق لنسلّم جدلاً بأن مطالبة إيران بوقف إطلاق النار في لبنان أدت المطلوب منها. هل تعرف ماذا يعني ذلك؟ يعني العودة إلى نقطة البداية، أي العودة إلى الأول من آذار 2026، قبل أن يبدأ الحزب حربه في الثاني من آذار. ماذا نكون قد فعلنا؟ لا شيء".

وإذ شدّد على أن "قوة صيغة الإطار الحاصل الآن تكمن في معالجة واقع مستمر منذ خمسين عاماً، أكد أنه طوال هذه الفترة وحتى اليوم، لدى لبنان خاصرة مفتوحة هي الجنوب اللبناني على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية. ولأنها خاصرة مفتوحة، شهدنا كل أنواع المقاومات. وبغض النظر عن النيات، فأنا لا أريد أن أدخل في حكم على النيات، لكننا جميعاً نعرف أن هذه المقاومات لم تستطع أن تساهم في تقدّم القضية الفلسطينية قيد شعرة واحدة. وأكبر دليل أنه، منذ خمسين سنة وحتى اليوم، إلى ماذا أدت هذه المقاومات كلها؟ أدت إلى دمار لبنان من جهة، وإلى عدم تقديم أي شيء إضافي للقضية الفلسطينية من جهة أخرى".

وعن حرب الإسناد، جدّد جعجع التأكيد أن "هذه الحرب لم تفد غزة بشيء، وقدمت إطاراً لإسرائيل كي تستطيع أن تقوم بما قامت به. والسؤال الذي يطرح نفسه: لنفترض أن الحزب لم يقم بحرب الإسناد لغزة، ماذا كان سيحصل في لبنان؟ لا شيء، لأنه من المستحيل، من دون أن يكون هناك شيء، أن تستطيع إسرائيل القيام بعمليات عسكرية أو هجومية أو انتقامية، سمّها ما شئت".

وأردف: "الهدف كله من حرب غزة، سواء كان إسناد غزة أو إسناد استراتيجية إيرانية في المنطقة، لم يتحقق. هل أدى ذلك إلى إسناد الاستراتيجية الإيرانية أو إلى إسناد غزة؟ أبداً. غزة دُمّرت، وبالإضافة إلى ذلك دُمّر لبنان أيضاً. وبالتالي، فإن لبنان لديه خاصرة مفتوحة على الحوادث والأحداث منذ خمسين سنة".

وفي ملف سلاح "الحزب"، آثر جعجع التأكيد أن "نزع سلاح الحزب ضرورة لبنانية بالدرجة الأولى، ومن دون اي فضل لا إسرائيل، ولا أميركا، ولا لأيّ أحد، فإن نزع سلاح الحزب ضرورة لبنانية بالدرجة الأولى. وكان يجب أن يتم في الشهر الأول من العام 1990، عند نزع سلاح الميليشيات كلها في لبنان. كما أن وجود الحزب العسكري في لبنان هو الذي أعاق، حتى الأمس، قيام دولة لبنانية فعلية".

وقال: "في غياب دولة لبنانية فعلية، لسنا بحاجة إلى إسرائيل لكي يتأخر لبنان ويُدمر. خلال السنوات الخمسين الماضية، عندما شُلّت الدولة اللبنانية، رأينا كل أنواع المصائب والغرائب والعجائب على الأراضي اللبنانية. وبالتالي، ما أريد أن أقوله للمواطن العربي بشكل عام هو أن مشكلتنا الأساسية هي في سلاح "الحزب".

ورداً على سؤال أجاب: "لدي قناعة عميقة جداً بأنه، في وجود دولة لبنانية فعلية، لا إسرائيل ولا أي أحد آخر قادر على التعدي على لبنان، لسبب بسيط: من رابع المستحيلات، في معادلات العالم، أن يقبل أحد بالتعدي على لبنان من دون أي سبب مباشر، فيما الدول العربية والأوروبية والأجنبية كلها تعرفه وتحبه. بينما مجرد وجود الحزب بالشكل الذي هو موجود فيه، وهو فصيل في الحرس الثوري الإيراني، أعطى ذريعة لكل من يريد التدخل في لبنان".

ورداً على اتهامه بالتحريض على الحزب والطائفة الشيعية، علّق جعجع قائلًا: "لا دخل للطائفة الشيعية، كطائفة، في هذا الموضوع. نحن نتكلم على حزب في الطائفة الشيعية، هو الحزب تحديداً. وهذا الحزب نفسه قال مرارًا وتكرارا  من خلال أمينه السابق حسن نصرالله: أنا جندي في ولاية الفقيه. لست أنا من يقول إنهم فصيل في الحرس الثوري الإيراني، بل هم بالفعل فصيل في الحرس الثوري الإيراني. هناك مستشارون إيرانيون من الحرس الثوري موجودون في وحدات الحزب في لبنان. وكل تمويل الحزب ونحن نتحدث عن تمويل يفوق المليار دولار في السنة، يأتي من إيران، وكل أوامر الحزب تأتي من إيران. وبالتالي، لهذا السبب هو موضوعياً فصيل من الحرس الثوري الإيراني".

وتابع: "من يكون مقاومة، يكون مقاومة لمصلحة شعب معين ولمصلحة أرض معينة. وأنا أريد أن أطرح السؤال: في آخر جولة قتال في الثاني من آذار الماضي، عندما أطلق الحزب ستة صواريخ من جنوب لبنان واندلعت الاشتباكات الأخيرة التي لا تزال مستمرة حتى اللحظة، ما السبب اللبناني لهذه الصواريخ؟ لا يوجد أي سبب لبناني".

وكشف جعجع أن "الرئيس جوزاف عون كان قد اتصل مسبقاً بالرئيس نبيه بري وطلب منه أن يقول لجماعة الحزب ألا يتحركوا وألا يدخلوا في الحرب التي وقعت بين أميركا وإيران، وقال إنه، في المقابل، سيتحدث مع الأميركيين لكي يضغطوا على الإسرائيليين لعدم التحرك في لبنان، وجاء الجواب إلى الرئيس عون من الرئيس بري بأن الحزب أعطى وعداً بأنه لن يتحرك في لبنان. وفي المقابل، اتصل الرئيس عون بالأميركيين، الذين أخذوا 24 ساعة ثم عادوا إليه بجواب مفاده أنه طالما أن “الحزب” لن يتحرك من لبنان، فإن إسرائيل لن تتحرك في جنوب لبنان. وإذ، بعد أقل من 24 ساعة، وللأسف، يتحرك الحزب. هل تستطيع أن تقول لي بأمر من تحرك الحزب؟ الجواب واضح وبسيط: بأمر من إيران".

جعجع الذي شدد على أنه "لا يكفي أن يقول الحزب إنه حزب لبناني، بل يجب أن يتصرف على أساس أنه حزب لبناني"، اعتبر أن "الكثير من تصرفات الحزب تدل على أنه ليس حزباً لبنانياً، وأعطيت المثال الأخير في الحرب الحالية، عندما تحرك مباشرة لإسناد إيران بشكل واضح".

وعن عدم تحرك إيران عند اغتيال حسن نصرالله وتحركها لاحقاً، شرح جعجع: "عندما اغتيل حسن نصر الله، كانت هناك حرب دائرة بين الحزب وإسرائيل، وبالتالي كان الحزب يتحرك. لكن لدي سؤال آخر: لماذا تحركت إيران أخيراً وقصفت تل أبيب، ولم تتحرك عندما اغتيل حسن نصر الله؟ الجواب هو أنه، عندما اغتيل حسن نصر الله، كان الحزب لا يزال يملك قوة معينة ويقاتل بها. والإيرانيون إيرانيون، أي إنهم سيستمرون في القتال حتى آخر لبناني. لكن عندما وصل الأمر أخيراً إلى مرحلة أصبح فيها الحزب في وضع صعب جداً، وكانت إيران على وشك أن تفقد ورقتها الأساسية في المنطقة، اضطرت إلى التدخل وضرب بعض الصواريخ على تل أبيب، ما يؤكد أكثر فأكثر أن الحزب فصيل من فصائل الحرس الثوري الإيراني".

وفي ما يتعلق بموقف الدولة اللبنانية من سلاح الحزب، قال جعجع: "الرئيس جوزاف عون والرئيس نواف سلام متفقان تماماً على وجوب إنهاء كل سلاح خارج الدولة. ولقد اتخذت الحكومة اللبنانية ما يكفي من القرارات لحل الأجنحة العسكرية والأمنية للحزب. لكنني لا أخفي أن الرئيس جوزاف عون، حتى اللحظة، يحاول تجنب استعمال القوة في الداخل، مع أنني شخصياً لست من هذا الرأي، باعتبار أن استعمال القوة من قبل الدولة ليس عنفاً، فالدولة، في بعض الأوقات، وللحفاظ على الأمن والمصالح القومية العليا، تضطر إلى استعمال القوة".

واستطرد: "هذا ما يؤخر تحرك الدولة اللبنانية بالقوة لحل الأجنحة العسكرية والأمنية للحزب. الرئيس عون يراهن على أن الأمور وصلت إلى حد يُفترض معه أن يكون الحزب قد اتعظ، أو أصبح لديه وعي آخر لحقيقته وواقعه ووضعه، وبالتالي يمكن أن يقبل بحل نفسه بنفسه. أما أنا فلا أصدق هذه النظرية، فالمحاولات السياسية والديبلوماسية استُنفدت"، أضاف معللاً: "منذ واحد وعشرين عاماً ونحن نعقد طاولات حوار في لبنان. أنا شخصياً شاركت في ما لا يقل عن عشر منها، ولم أعد أشارك لأنني أيقنت بأن الحزب يضحك علينا جميعاً. هو ليس في وارد حل سلاحه، ولا إعادة القرار الاستراتيجي إلى الدولة، ولا أي شيء من ذلك".

أضاف: "للأسف، أيقنت أن الحزب في عالم آخر. هو في عالم الجمهورية الإسلامية في إيران، وليس في عالمنا نحن في لبنان. وبالتالي، من العبث محاولة استعمال المنطق أو الديبلوماسية لفك شر الحزب عن لبنان. ومن هذا المنطلق، أنا أقول إنه إذا كانت أي عملية ديبلوماسية أو  سياسية قادرة على النجاح في حل الأجنحة العسكرية والأمنية ل”الحزب” ، فأنا معها، لكنني أتصور أن كل هذه المحاولات قد استُنفدت".

وتابع: "قناعتي هي أنه عندما تظهر الدولة مصممة حتى النهاية، لا تعود هناك ضرورة لاستعمال القوة، لكن يجب أن تظهر الدولة تصميمها. يجب أن تقول: انتهى الأمر. فحين يظهر التصميم، لا تعود هناك ضرورة لاستعمال القوة".

واستشهد جعجع بمثال العراق، قائلاً: "رئيس الوزراء العراقي الجديد أعطى فرصة، وقال إنه في نهاية أيلول ستكون التنظيمات المسلحة خارج الدولة قد سلّمت كلها سلاحها، ومن لم يسلّم سلاحه سنأخذه منه، وبالتالي عندما تكون معادلة التصميم جليّة، لا حاجة لاستعمال القوة".

ورداً على سؤال أكد رئيس القوات أن "المؤسسة العسكرية اللبنانية قادرة على نزع السلاح بالقوة"، وقال: "هذا أحد المفاهيم الخاطئة التي نعيش عليها منذ عشرين سنة. طبعاً المؤسسة العسكرية اللبنانية قادرة، كما الدولة اللبنانية قادرة وقوية عندما تتحرك فعليًا. فالدولة اللبنانيّة ليست المؤسسة العسكرية فحسب، فإلى جانب الأخيرة هناك مجموعة مؤسسات أمنية، فضلا عن القضاء، إلى مجموعة إدارات أخرى. فإذا تحركت كلها معاً، وبشكل سلمي، لا تعود هناك ضرورة لاستعمال القوة".

أضاف: "على سبيل المثال لا الحصر، ما حصل في الشارع عقب إعلان اتفاق الإطار، منذ نحو أسبوع أو عشرة أيام، وعندما أُعلن اتفاق الإطار، نزل بعض مؤيدي الحزب إلى الشارع وحاولوا القيام بأعمال شغب. نحن شاهدنا هذا المشهد مرات عدة في لبنان. لكن، للمرة الأولى، نزل الجيش إلى الشارع وأوقفهم فوراً واستعمل الشدة معهم، ولا أريد أن أقول القوة. وفي خمس دقائق عاد الجميع إلى بيوتهم. من هنا، يجب أن تظهر تصميمك، وأن تقول: حملناكم أربعين سنة، والآن انتهى الأمر. إما أن تحلّوا أنفسكم وإما أن تحلّكم الدولة. وإذا لم يحلّ الحزب نفسه، فبعض الأوقات تكون الدولة مضطرة إلى استعمال الشدة. الدولة تستعمل الشدة تقريباً كل يوم عند ملاحقة مهربي المخدرات وتجار المخدرات، وفي بعض الأحيان يسقط ضحايا، إما من المهربين وإما من الجيش. فهل يعني ذلك أن تتوقف الدولة عن القيام بواجبها؟ بالطبع لا. في بعض الأوقات أنت مضطر إلى ذلك".

وبعدما لفت إلى أن "الحزب هو جوهر المشكلة في لبنان"، قال: "أريد أن تكون لدينا دولة فعلية لكي نستطيع مواجهة قضية إسرائيل. هل الحزب قادر على مواجهة إسرائيل؟ رأينا إلى أين أدت المواجهة بين الحزب وإسرائيل. منذ نحو 17 أو 18 يوماً، عندما كانت العمليات العسكرية في الجنوب على أشدها، لو لم يتدخل الرئيس ترامب، فبتقديري، خلال أسبوع أو عشرة أيام، كان الحزب سيُضطر إلى الاستسلام. لا أعرف إذا كان الرئيس ترامب يعرف بالضبط ما كان يحصل، لكنه تدخل وضغط على إسرائيل فتوقفت. القتال بين الحزب وإسرائيل رأينا إلى أين أدى. لا يوجد إلا حل واحد: الحزب أدى دوره، ونحن برأينا أدى دوره لمصلحة إيران، وليس لمصلحة لبنان. والآن انتهى الأمر. يجب أن تُحل فوراً الأجنحة العسكرية والأمنية للحزب".

أما عن قدرة الدولة على التوصل إلى اتفاق يضمن الانسحاب الإسرائيلي، فأجاب جعجع "بكل بساطة وبكل صراحة، لولا وجود الحزب في لبنان لكنا وفرنا مئات وآلاف المشاكل على لبنان ولما كانت هناك إمكانية لإسرائيل أن تدخل شبراً واحداً إلى لبنان". فلننتهِ من مشكلة الحزب المسلح، وليس الحزب السياسي. الحزب السياسي يمكنه أن يعمل وفق القوانين اللبنانية والدستور اللبناني، وله الحق  كأي لبناني آخر، إلا أنه يجب أن ننتهي من الوجود العسكري والأمني للحزب. وبالتالي عندها تصبح الدولة اللبنانية قوية. وأنا لا أقول إنها ستصبح تملك دبابات أكثر أو طائرات أكثر، بل تصبح قوية بشرعيتها، بحيث يساعدها كل أصدقاء لبنان، وتخرج إسرائيل وتُضطر إلى الخروج من جنوب لبنان".

ولفت إلى أن "عشرات المسؤولين الإسرائيليين قالوا إنهم لا يملكون أي أطماع في أرض لبنان، وإنهم مستعدون للانسحاب من لبنان بمجرد انتهاء مشكلة الحزب، لذا فإن كل الظروف مهيأة لكي نتخلص من الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، لكن المطلوب أن توجد دولة فعلية في لبنان".

وفي ما يتعلق بأي طرح سياسي يقوم على منح "الحزب" مكاسب مقابل التخلي عن سلاحه، رفض جعجع هذه الفرضية لأننا قلنا للحزب ما قلناه، فالحزب عطّل حياتنا الوطنية والسياسية والاجتماعية طوال الأربعين سنة الماضية. هل نعطيه ثمناً مقابل هذا التعطيل؟ بالتأكيد لا".

أضاف: "لدينا اتفاق الطائف الذي يعطي المشاركة لجميع الفرقاء اللبنانيين كما يجب في الدولة. فهل لأن الحزب جلب سلاحاً من إيران نعطيه ثمناً لهذا السلاح الذي انعكس علينا وبالاً وخراباً على مدى أربعين سنة؟ أكيد لا. المبدأ بحد ذاته مرفوض".

وعن إعادة النظر في النظام السياسي اللبناني، قال جعجع: "منذ نحو مئة عام وحتى اليوم، هل مررنا، كمواطنين لبنانيين، بأربع أو خمس سنوات من الحياة المستقرة؟ بالطبع لم نشهد ذلك ابداً. أنا اليوم عمري فوق السبعين عاماً، ولا يوم من الأيام عشنا مرتاحين. ألا يستدعي ذلك إعادة النظر في ما أوصلنا إلى هذه الأوضاع؟".

وتابع: "حتى وضعية الحزب لو كانت هناك دولة جدية، لما وصلنا إليها. لكننا وصلنا إلى الحرب اللبنانية، وقبلها عشنا مشاكل عدة، ومررنا بأحداث 1958، وسواها، كل ثلاث أو أربع سنوات في لبنان لدينا مشكلة وقصة ورواية. يجب أن نتوقف عند هذا الواقع. هذا ليس مجرد رأي. يحق للمواطن اللبناني أن يعيش في وضع مستقر. المواطن الموجود اليوم في المملكة العربية السعودية أو قطر أو الكويت أو مصر يعيش في أوضاع مستقرة. قد يقوى الاقتصاد قليلاً أو يضعف قليلاً، وقد تحصل بعض المشكلات العادية كما تواجه كل مجتمعات العالم، لكن لا أحد يعيش انقلابات كاملة وعدم استقرار كامل كما يحصل لدينا في لبنان كل أربع أو خمس سنوات أو كل سبع أو ثماني سنوات. منذ أن حصلنا على استقلالنا، لم تمر فترة طويلة من دون مشكلة: في 1949 كانت لدينا مشكلة، وفي 1958 كانت لدينا مشكلة، وفي 1967 كانت لدينا مشكلة، وفي 1969 كانت لدينا مشكلة، وبين 1975 و1990 كانت لدينا حرب كاملة، وبعد ذلك بدأت مرحلة المقاومات، وحتى الآن نحن موجودون فيها. وحتى بعيداً من المقاومات، لا تمر فترة إلا وتكون لدينا مشكلة. انطلاقًا من هنا، يجب الانكباب على هذا الواقع لمعرفة لماذا يحصل معنا ذلك، وإعادة النظر في الوضعية كلها، للوصول إلى صيغة للدولة تؤمن الاستقرار على المدى البعيد للمواطنين اللبنانيين".

وعن الحلول المطروحة، قال جعجع: "أتمنى أن يكون هناك حوار وطني لنجلس ونتناقش، فهناك العديد من الحلول المطروحة على الطاولة. الحل الوحيد الذي يجب ألا يكون مطروحاً على الطاولة هو التقسيم، ويجب أن نستبعد هذا الحل. وأضاف: "هناك من يطرح الحل الفدرالي، وهناك من يطرح اللامركزية الموسعة، وهناك آخرون يطرحون مجرد لامركزية إدارية. نريد أن نستعرض هذه الحلول ونرى ماذا نستطيع أن نفعل معاً، لأنه لا يوجد فريق بمفرده في لبنان قادر على تحديد مصير لبنان".

وفي الشأن السوري، وصف جعجع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بأنها "إيجابية جداً"، وقال: "لم تكن لها نتائج مباشرة، لكنها عبّرت عن واقع إيجابي نشأ بين لبنان وسوريا منذ سنة ونيف حتى الآن، بخلاف ما كان عليه الواقع في السنوات الخمسين الماضية. في أيام نظام الأسد، كانت سوريا دولة متآمرة بشكل دائم على لبنان وليس في مرحلة معينة فحسب. الآن نشعر، للمرة الأولى، بأن لدينا دولة جارة وصديقة للبنان. زيارة الشيباني أبرزت هذا الواقع وأظهرت هذه الوضعية، أي إن هناك دولة شقيقة لا تتدخل مع أحد، ولا تفتعل المشاكل، ولا ترسل لنا مجموعات مسلحة".

وتابع: "بالرغم من كل دعوات رئيس الولايات المتحدة إلى الرئيس أحمد الشرع للتدخل في لبنان، إلا أن الرئيس السوري يقول: لا، أنا لا أتدخل في لبنان. وهذا موقف مشرّف. ونحن نعتبر أن الرئيس الشرع، كرئيس جديد لسوريا، يعبّر عن نهج جديد في السياسة السورية".

وعن وجود مخاوف من نيات الحكومة السورية الجديدة تجاه لبنان، أجاب جعجع "إذا أردت أن آخذ تصريحات الرئيس الشرع كلها، فبصراحة لا أجد شيئاً أقلق منه. لم أرَ شيئاً يدعو إلى القلق. رأيت طرحاً دولتياً بالدرجة الأولى. هناك دولة تتحدث، وليس حزب البعث. دولة تتحدث بمنطق الدولة، وتعرف أن هناك دولة أخرى جارة لها، وليس قطعة أرض أخذها منها اتفاق سايكس – بيكو وتريد أن ترى كيف تسترجعها ولو مواربة. طرح الرئيس الشرع معتدل ومنطقي، وبالتالي لا توجد لدي علامات استفهام في هذا الإطار".

وعن احتمال تدخل سوري عسكري جديد في لبنان، أكد رئيس القوات مجددا أن "كل ما صدر عن الرئيس الشرع يفيد بأنه غير مستعد للتدخل في لبنان، وبالتالي كل هذا الأمر غير وارد. كما أن السلطات الرسمية اللبنانية ضد ذلك كلياً، ولذلك لا أعتقد أن شيئاً من هذا القبيل وارد أن يحصل".

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الحزب التقدمي الاشتراكي، قال جعجع: "لم ندخل ولن ندخل في أي تراشق كلامي أو إعلامي بيننا وبين الحزب التقدمي الاشتراكي، لأن لدينا الكثير من القواسم المشتركة".

وعن تحالفات 14 آذار، قال: "بالعكس، لقد توسعت جداً هذه التوجهات. كان هناك 14 و8 آذار، واليوم ما تبقى من 8 آذار بات مقتصراً، إذا أردنا القول، كلياً على الحزب ومسحة من تأييد حركة أمل. بينما باقي اللبنانيين جميعا أصبحوا عملياً في موقع 14 آذار، بغض النظر عن علاقاتهم السياسية ببعضهم. إذا لاحظنا، فإن الأطياف اللبنانية كلها في الوقت الحاضر تتجه في اتجاه 14 آذار، أي تطرح في السياسة ما كانت تطرحه 14 آذار منذ العام 2005 وحتى اليوم".

وعن إعادة فتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية، قال جعجع: "نحن بالتأكيد في مرحلة جديدة في لبنان، مع رئيس الجمهورية الجديد، ورئيس الحكومة، والأكثرية الحكومية الموجودة، والأكثرية النيابية الموجودة. لدينا أكثرية في مختلف المواقع الرئيسية في الدولة اللبنانية: رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والحكومة، والمجلس النيابي. مع هذه التشكيلة الحالية، نحن بالتأكيد دخلنا مرحلة جديدة. طبعاً، ضمن هذه الأكثرية، ليس هناك خلاف في وجهة النظر، بل اختلاف في مدى السرعة التي يجب أن تسير بها الدولة اللبنانية. ولكن، حتى لو استمرت بالسرعة التي تسير بها في الوقت الحاضر، فنحن نقطع أشواطاً ليست بقليلة، وهذا ما دفع ولي العهد السعودي إلى إعادة فتح أبواب المملكة أمام الصادرات اللبنانية".

وختم جعجع: "برأيي، التاريخ لم يعد يوماً إلى الوراء ولن يعود. وإذا كنا قد قطعنا حتى الآن 60 أو 70 في المئة من الطريق في اتجاه قيام دولة فعلية في لبنان، فإن أكبر دليل هو المفاوضات التي تقوم بها السلطة اللبنانية، سواء كانت على خطأ أو على صواب. فهذا يبيّن أن هناك سلطة لبنانية مستقلة تقوم هي بالمفاوضات، ولا تترك إيران تفاوض عن لبنان. هناك سلطة لبنانية لا تترك أحداً في الداخل اللبناني يعكّر من جديد صفو علاقات الدولة اللبنانية مع الدول الشقيقة، وفي طليعتها الدول الخليجية والمملكة العربية السعودية، وبقية الدول العربية، وحتى الدول الأجنبية. ومن هذا المنطلق، نعم، يمكنني أن أقول إن القطار أصبح على السكة. والمسألة الآن هي أن يقطع كل المسافة المطلوبة منه".

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: