لم يكن إعلان براءة رئيس حزب القوات الللبنانية سمير جعجع في قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة مجرد نهاية لملف قضائي، بل كان، بالنسبة إلى القواتيين وإلى شريحة واسعة من اللبنانيين، انتصاراً للحقيقة بعد سنوات طويلة من السجن والاستهداف السياسي. لقد اعتبروا أن تلك البراءة أسقطت أحد أخطر الملفات التي استُخدمت لمحاولة كسر الرجل الذي رفض الخضوع، وإسكات الحزب الذي بقي، في أصعب الظروف، عنواناً للمعارضة السيادية في لبنان.
إذ أن قضية سيدة النجاة لم تكن سوى المدخل إلى مشروع أكبر هدفه إنهاء القوات اللبنانية سياسياً، وإزالة آخر قوة مسيحية منظمة رفضت الانضواء تحت الوصاية السورية على لبنان. ففي زمن كان النظام الأمني السوري – اللبناني يمسك بمفاصل الدولة، كان جعجع الصوت الذي بقي خارج دائرة الإملاءات، فكان لا بد، وفق هذه الرواية، من إخراجه من المشهد بأي وسيلة.
ولم يقتصر الاستهداف، على شخص جعجع، بل طال آلاف القواتيين الذين دفعوا أثماناً باهظة. فمنهم من اعتُقل، ومنهم من استُدعي وخضع للاستجواب، ومنهم من عاش سنوات من الملاحقة والتضييق، فيما حُلّ الحزب وأُقفلت مكاتبه، في محاولة لاقتلاع حالة سياسية كاملة من الحياة الوطنية اللبنانية.
وقد جرت التحقيقات والمحاكمات آنذاك في ظل مناخ سياسي وأمني استثنائي، مع ضغوط على بعض الشهود، وبانتزاع إفادات بوسائل غير مشروعة، بهدف بناء ملف يقود إلى إدانة جعجع. لكن، وعلى الرغم من كل تلك المحاولات لم تتمكن من إنتاج دليل قانوني يثبت مسؤوليته، لتنتهي القضية بإعلان براءته، في محطة اعتبرت سقوطاً مدوياً لرواية الاتهام.
ولم تتوقف المواجهة عند هذا الحد، إذ فُتحت لاحقاً ملفات أخرى انتهت إلى استمرار سجن جعجع سنوات طويلة. إذ لم تكن تلك المرحلة سوى استكمال لمسار سياسي هدفه إبقاء الرجل خلف القضبان، والقضاء على القوات اللبنانية كحزب، وعلى دورها كمرجعية سياسية أساسية لدى شريحة واسعة من المسيحيين اللبنانيين.
لكن السنوات أثبتت أن السجن لم يكسر الرجل، وأن محاولات إلغاء القوات اللبنانية انتهت إلى نتيجة معاكسة. فبعد خروجه من المعتقل، عاد جعجع إلى الحياة السياسية لاعباً أساسياً، واستعادت القوات اللبنانية حضورها الشعبي والتنظيمي، لتتحول من حزب محظور إلى أحد أبرز الأحزاب اللبنانية وأكثرها حضوراً في الحياة البرلمانية والسياسية.
إن قيمة سمير جعجع النضالية لا تقاس فقط بسنوات السجن، بل بثباته على خياراته السياسية، وبتمسكه بمشروع الدولة والسيادة والقرار اللبناني الحر. وأن البراءة في قضية سيدة النجاة لم تكن مجرد حكم قضائي، بل كانت تصحيحاً لمسار تاريخي، ورسالة مفادها أن الاتهام السياسي قد ينجح في تقييد الحرية لسنوات، لكنه لا يستطيع أن يصنع حقيقة ولا أن يمحو قناعة شعب آمن بقضيته.
ولهذا، بقيت قضية سيدة النجاة، في الوجدان القواتي والسيادي واللبناني، رمزاً لمرحلة أرادت فيها السلطة الأمنية إسكات المعارضة، لكنها انتهت، بعد سنوات، إلى ترسيخ صورة سمير جعجع كأحد أبرز رموز الصمود السياسي في لبنان، ورجلٍ خرج من السجن أكثر حضوراً مما دخله، لتتحول محنة الاعتقال إلى جزء لا يتجزأ من الإرث النضالي الذي يفاخر به القواتيون، والمسيحيون واللبنانيون استطراداً، حتى اليوم.