الصعود الجيوسياسي للنفوذ التركي في المنطقة

turkieh-flag

تطرح في الأوساط السياسية المراقبة أسئلة كثيرة حول رمزية انعقاد قمة الناتو الأخيرة في تركيا، فضلاً عن أسلوب التنظيم والاستقبالات، وزيّ الجنود الأتراك، وما سوى ذلك.

دعونا بداية نؤكد أن تركيا أردوغان عادت للعب أدوار إقليمية كبيرة لا تبتعد كثيراً عن الحلم الإمبراطوري العثماني سابقاً، وقد عادت وهي مثقلة بالمهمات والملفات الإقليمية والدولية، من الشمال إلى الشرق الأوسط وأوروبا.

ناقشت قمة الناتو الأخيرة في أنقرة ملفات ساخنة جداً، مثل الملف الأوكراني والملف الإيراني وسواهما، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب.

في المعلومات الخلفية، عززت تركيا وجودها العسكري والصناعي في الآونة الأخيرة، مع وجود 3500 شركة دفاع، والمقاتلات من الجيل الخامس، والمسيّرات الحديثة، فضلاً عن إبرام اتفاقات وتأمين تمويل دولي لشراء عتاد متطور من مصرف في كندا برأسمال 165 مليار دولار، فيما تم استبعاد تركيا من الصندوق الأوروبي البالغة قيمته 150 مليار دولار.

وقد خُصص مبلغ 50 مليار دولار لشراء المسيّرات، ما يفتح سوقاً واسعة أمام تركيا.

صحيح أن الناتو ناقش قضايا مثل آليات التضامن الجماعي، ودعم أوكرانيا، ومراقبة ومنع حصول إيران على السلاح النووي (بيان 6 آب)، لكن الصحيح أيضاً أن القمة عززت الدور التركي المحوري إقليمياً ودولياً.

ومن رمزيات افتتاح المؤتمر في القصر الجمهوري في أنقرة، كرمز للقوة، إلى رمزية استخدام أردوغان لملابس الإنكشارية والسيوف والدرع، كرسائل تاريخية لصيقة بالإرث العثماني، وصولاً إلى الخطاب الذي يؤكد الانتماء إلى الجذور العثمانية في مقابل النموذج الكمالي لأتاتورك العلماني، كلها رمزيات أوصلت إلى الجميع رسائل استعادة العظمة الإمبراطورية لتركيا.

تركيا تعيش طفرة نوعية في التسلح، مع وجود 3500 شركة لتصنيع الأسلحة تغطي أنظمة الدفاع الجوي والمسيّرات، وعرض المقاتلة التركية من الجيل الخامس "كاان" في معرض إسطنبول، إلى جانب نجاح المسيّرات التركية "بيرقدار" في ساحات مثل ناغورنو - كاراباخ وأوكرانيا، كمثال على التشغيل الميداني.

فأنقرة تستهدف، من وراء كل ذلك، إنتاج وتصدير منصات مسلحة متقدمة، والاعتماد على التجربة الميدانية لزيادة الثقة بالمنتج.

غير أن القيود التكنولوجية تبقى قائمة بالنسبة إلى المقاتلة التركية المتطورة، إذ لا بد من الاعتماد على الأميركي في إنتاج المحركات بالتكنولوجيا الأميركية المتقدمة والرائدة، فالمحركات التقنية الأساسية تأتي من الولايات المتحدة.

وقد تدخل الرئيس ترامب لتمويل محركات بقيمة 700 مليون دولار، كمحاولة لتخفيف القيود على تركيا، لكن بعد موافقة الكونغرس، وهو أمر يبدو عسيراً، وكان أول المعترضين بشدة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي كان يترأس اللجنة البرلمانية للمال، ويعيق استكمال الرفع الكامل للعقوبات أو التعاون، علماً أن لدى الصين تصنيعاً لمثل هذه المحركات، لكن أجزاء المحركات المتقدمة تبقى مرتبطة بالولايات المتحدة.

وتمكنت أنقرة من انتزاع قرار إنشاء مصرف في كندا، بمشاركة تسع دول، بينها تركيا، لتمويل شراء الأسلحة برأسمال 165 مليار دولار، وستكون الشركات التركية من بين الأطراف الممولة والمستفيدة من هذا التمويل.

أما الأوروبيون، فقد قرروا استبدال أنظمة الـAWACS بطائرات سويدية متقدمة من شركة حديثة، فيما جعل بند تخصيص 50 مليار دولار لشراء مسيّرات السوق التركية مدخلاً واسعاً، بفعل الكلفة والتقنية المتاحة.

إلى هذا الحد، بالتالي، يمكن القول إن الأميركيين يراقبون ويتوقعون تدخلاً تقنياً وسياسياً، فالحاجة إلى الولايات المتحدة تبقى استراتيجية.

وبالعودة إلى دور تركيا في الناتو والجغرافيا الاستراتيجية، فإن تركيا فرضت نفسها جغرافياً داخل الناتو بفضل موقعها على البحر الأسود وممرات الشحن (القمح والغذاء)، وهي الدولة التي تؤدي دوراً مزدوجاً؛ فمن جهة، تُعد سداً في وجه روسيا مع إبقاء قنوات الاتصال معها، وفي الوقت نفسه تؤمن التواصل مع إيران مع انتهاج سياسة معاكسة تجاهها.

والجدير بالتذكير أن تركيا شاركت في مشكلات وإشكالات متعددة، في العراق وسوريا والقوقاز وأوكرانيا والبحر الأسود، ما رفع أهميتها الإقليمية نظراً إلى موقعها الجغرافي، أكثر من أي اعتبار آخر.

أوروبياً، أعلن الأميركيون تقليص بعض الأصول العسكرية الموجودة في أوروبا، كسحب نصف القاذفات، وتقليص ثلث طائرات الـF-15، وتقليص القوى البحرية. وهذا التحول الأميركي يعزز القرار الأوروبي بالاعتماد على قدرات دول القارة اعتباراً من عام 2027، واكتساب بدائل للأدوار الأميركية. فالرسالة الأميركية إلى الأوروبيين هي: "اعتمدوا على أنفسكم"، ما يعزز فرص الدور التركي داخل منظومة الدفاع الأوروبية.

وقد ركز بيان الناتو الأساسي (6 آب)، المؤلف من ستة بنود، على تضامن كل الدول في حال تعرض أي دولة لهجوم، وعلى مساندة أوكرانيا واستمرار دعمها بحضور الرئيس ترامب وتوقيعه، فضلاً عن مراقبة إيران ومنعها من الحصول على السلاح النووي.

تركيا تسعى إلى الموازنة بين الاستقلال الصناعي والحاجة إلى التكنولوجيا الأميركية، وقد أسعفتها كثيراً التطورات الميدانية والتقنية، وخصوصاً في مجال المسيّرات، التي عززت مكانة تركيا داخل الناتو والمنطقة.

دخلت تركيا حلبة التوازنات والحسابات الإقليمية والدولية، وبات على دول مثل لبنان وسوريا والعراق وروسيا وإيران التحسب لدورها المتعدد النتائج.

وبات في المنطقة ثلاثة مشاريع: أميركية، وإسرائيلية، وتركية، واللافت أن نقطة تقاطع هذه المشاريع هي سلاح حزب الله في لبنان.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: