300 مراقب في لبنان... ماذا تعرف الأجهزة عن "أنصار داعش"؟

WhatsAppImage20250702at3.29.04PM_154621_large

لا تُقاس العمليات الأمنية بما ينتهي إليه المشهد في دقائق، إنما بما تكشفه من خرائط كانت تتحرك في الظل، فكل توقيف لشخصية مصنفة عالية الخطورة يفتح أبواباً تتجاوز الاسم نفسه، ويعيد رسم صورة المشهد الأمني بأكمله، كَوْن التنظيمات المتشددة لا تعمل بمنطق الأفراد، وإنما عبر شبكات تتوارى سنوات قبل أن تظهر في توقيت محسوب، ومن هنا اكتسبت العملية الأخيرة التي نفذتها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني أهمية استثنائية، لأنها أصابت هدفاً يوصف بأنه من الوجوه التي ارتبط اسمها بمراحل دامية شهدتها جرود عرسال والمواجهات مع الجيش اللبناني.

وبحسب المعلومات، فإن القوة الخاصة التي نفذت الكمين عند أطراف عرسال كانت تملك معطيات دقيقة عن حركة عبد الحكيم أمون، وقد نُفذت العملية باحتراف كامل، وانتهت من دون أي إصابات، فيما تؤكد المصادر أن الموقوف ليس عنصراً عادياً، إذ شارك في المعارك التي خاضها تنظيم "داعش" ضد الجيش اللبناني وارتبط اسمه بملفات أمنية وإرهابية تعود إلى سنوات المواجهات في الجرود، ما يجعله من الشخصيات التي يمتلك التحقيق معها قيمة استخبارية تتجاوز مسألة توقيف مطلوب فحسب.

وتقول المصادر إن أهمية العملية لا تكمن في القبض على أحد المطلوبين فقط، وإنما في الرسالة التي حملتها، فالأجهزة الأمنية اللبنانية لا تزال تتابع هذا الملف بصورة يومية، وتعمل وفق قاعدة الضربات الاستباقية لمنع أي محاولة لإعادة إنتاج خلايا نائمة أو إنشاء شبكات دعم لوجستي أو مالي وهو النهج الذي اعتمدته المؤسسة العسكرية منذ انتهاء معارك الجرود وأثبت فعاليته في إحباط أكثر من محاولة خلال الأعوام الماضية، وفق بيانات قيادة الجيش وعمليات التوقيف التي نُفذت بحق عناصر مرتبطين بتنظيم داعش أو ممولين له.

وفي موازاة ذلك، يتردد أن الأجهزة المختصة تضع تحت المراقبة المستمرة ما يقارب ثلاثمئة سوري يشتبه بتأييدهم لتنظيم "داعش"، ويتمركز القسم الأكبر منهم في مناطق من شمال لبنان، وتؤكد المصادر أن هؤلاء يخضعون لمتابعة دقيقة ورصد متواصل، وأن أي حركة غير اعتيادية تُقابل بإجراءات أمنية فورية، في إطار سياسة تقوم على الاستباق وعدم انتظار تشكّل أي خطر ميداني.

أما على الجانب السوري، فتؤكد مصادر أمنية سورية لموقع LebTalks أن السلطات السورية الحالية كانت على علم بهذا الملف منذ فترة طويلة، وتشير إلى أن واقع الحدود تغير بصورة جذرية مقارنة بما كان عليه قبل سقوط نظام بشار الأسد، وتضيف أن عناصر التنظيم كانوا يستفيدون سابقاً من ثغرات ومعابر غير مضبوطة، فيما أصبح الوضع مختلفاً اليوم، إذ تؤكد المصادر أنها لم ترصد أي عبور لعناصر من داعش باتجاه لبنان بعد إحكام السيطرة على المعابر الحدودية، مع تنفيذ انتشار أمني وعسكري كثيف على طول الشريط الحدودي، ولا سيما في الدبوسية، والعريضة، وتل كلخ، إضافة إلى نقاط مراقبة ثابتة ودوريات متحركة هدفها منع أي تسلل أو إعادة فتح خطوط كانت ناشطة في مراحل سابقة.

وتشدد المصادر السورية على أن الأولوية الأمنية داخل الأراضي السورية باتت ملاحقة بقايا تنظيم داعش وتفكيك خلاياه أينما وُجدت، وأن العمليات الأمنية التي نُفذت خلال الأشهر الماضية تعكس انتقال المواجهة إلى الداخل السوري، حيث تستهدف القوات الأمنية أوكار التنظيم وخطوط إمداده بعدما كان يستفيد في سنوات سابقة من الفوضى الأمنية واتساع المساحات الخارجة عن السيطرة، كما أن التحقيقات التي أعلنتها السلطات السورية أخيراً بشأن خلايا مرتبطة بالتنظيم تؤكد استمرار هذه المواجهة الأمنية.

وتلفت إلى أن أخطر ما في التنظيمات المتشددة أنها لا تحتاج إلى أعداد كبيرة لإحداث صدمة أمنية، فمجموعة صغيرة تمتلك التمويل والقدرة على التخفي قد تكون كافية لتنفيذ اعتداء واسع، لذلك تبقى المعركة الاستخبارية هي الأساس، لأنها تبدأ بالمعلومة وتكبر بالمراقبة، وتنتهي قبل أن تصل إلى الشارع.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى توقيف عبد الحكيم أمون على أنه مجرد نجاح أمني محدود، فهذه العملية تندرج ضمن معركة استخبارية طويلة تخوضها الأجهزة اللبنانية لإغلاق أي منفذ قد يعيد الإرهاب إلى الداخل اللبناني، ومع إحكام القبضة على الحدود واستمرار المراقبة الدقيقة للخلايا المشتبه بها، كما تكثيف التنسيق الأمني، تبدو الرسالة واضحة، لا مساحة لعودة المشهد الذي عرفه لبنان قبل سنوات، غير أن هذا النوع من التنظيمات لا يسقط بانتهاء معاركه العسكرية، إذ يبقى خطره كامناً في محاولات إعادة التموضع واستغلال أي ثغرة أمنية أو ظرف استثنائي ما يجعل اليقظة الأمنية عنوان المرحلة المقبلة والرهان الأول في حماية الاستقرار.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: