كتب شادي هيلانة:
في السياسة اللبنانية، هناك تفاصيل لا تظهر في البيانات الرسمية ولا تحتاج إلى مؤتمر صحافي كي تفرض نفسها على المشهد، يكفي أحياناً أن تتحرك الاتصالات في أكثر من اتجاه، وأن تتزامن معها رسائل سياسية محسوبة، حتى يبدأ السؤال الحقيقي بالظهور، ماذا يجري خلف الستار، ولماذا الآن تحديداً، في هذا السياق تبدو حركة الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط محط متابعة دقيقة، خصوصاً أن توقيتها يتقاطع مع مرحلة شديدة الحساسية يعيشها لبنان، حيث يعاد رسم حدود العلاقة بين الدولة والقوى السياسية، فيما تتقدم قضية سلاح "حزب الله" إلى صدارة الاهتمام الأميركي والدولي، وتصبح مواقف الشخصيات اللبنانية موضع تدقيق يتجاوز الحسابات الداخلية.
ومن هذا الباب، تتابع "LebTalks" مجموعة من المعطيات والاتصالات التي جرت خلال الأيام الماضية، والتي تشير إلى أن اسم جنبلاط دخل دائرة نقاش سياسي حساس، على خلفية معلومات يجري تداولها حول احتمال إدراجه على لوائح العقوبات الأميركية، وهو ما دفع إلى تحرك واتصالات هدفها التحقق من حقيقة هذا الأمر، ومعرفة ما إذا كان الحديث يدور عن قرار فعلي قيد الإعداد، أم عن رسائل سياسية متداولة في الكواليس لا تزال تحتاج إلى ما يثبتها.
وبحسب المعطيات، أجرى جنبلاط ومقربون منه خلال الأيام الأخيرة سلسلة اتصالات داخلية وخارجية، في محاولة لاستجلاء حقيقة المعلومات المتداولة حول احتمال إدراج اسمه على لوائح العقوبات الأميركية، وقد شملت هذه الاتصالات أكثر من قناة سياسية ودبلوماسية، وسط مساعٍ لمعرفة ما إذا كان هناك مسار أميركي فعلي يجري التحضير له أم أن الأمر لا يزال في إطار التداول السياسي والإعلامي.
في موازاة ذلك، أثارت مغادرة جنبلاط لبنان في هذا التوقيت اهتمام مراقبين سياسيين، خصوصاً في ضوء مواقفه الأخيرة التي رأى فيها البعض تقارباً مع طروحات الثنائي الشيعي، الذي فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التموضع الذي اختاره في مرحلة دقيقة تتجه فيها الدولة اللبنانية، تحت تأثير ضغوط داخلية وخارجية، نحو مقاربة مختلفة لملف سلاح حزب اللهودور المؤسسات الرسمية في إدارة القرارين الأمني والعسكري.
وتذهب هذه القراءة إلى أن خروج جنبلاط إلى الخارج جاء في لحظة سياسية دقيقة، حيث تتقاطع الحسابات اللبنانية مع مواقف أميركية وخليجية تراقب بدقة اتجاهات القوى السياسية اللبنانية، خصوصاً أن المرحلة الحالية لم تعد تسمح بسهولة بالمواقف الرمادية، مع انتقال ملف السلاح إلى واجهة النقاش السياسي والدبلوماسي وما يرافق ذلك من إعادة تقييم لمواقع القوى والشخصيات اللبنانية.
غير أن المفاجأة التي استوقفت المتابعين جاءت من الرسالة التي بعث بها جنبلاط إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، والتي أشاد فيها بخطابه في السفارة اللبنانية في واشنطن، وثمّن المقاربة التي اعتمدها عون في تناول ملف سلاح الحزب، مؤكداً دعمه لمواقف الدولة في هذا الإطار، وهي رسالة جاءت في توقيت بالغ الدقة، بعد زيارة عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي ظل حراك أميركي واضح حول مستقبل لبنان ومسألة حصرية السلاح بيد الدولة.
وتقرأ هذه الرسالة من زاوية تتجاوز حدود المجاملة السياسية، خصوصاً أن توقيتها جاء بعد محطة واشنطن، وفي لحظة بات فيها موقف رئيس الجمهورية من ملف السلاح جزءاً أساسياً من الصورة التي تنقلها الدولة اللبنانية إلى الخارج، ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان جنبلاط يريد إعادة ضبط موقعه السياسي في هذه المرحلة وإعادة فتح خطوط التواصل مع رئاسة الجمهورية وذلك بعد فترة من المواقف التي بدت فيها المسافة بين الطرفين أكثر وضوحاً.
وتشير أوساط سياسية متابعة لموقعنا إلى أن الرسالة قد تكون محاولة لترتيب الأجواء وإعادة تنظيم العلاقة مع رئاسة الجمهورية، خصوصاً في ظل حساسية المرحلة، والخشية من أن يؤدي أي تموضع سياسي غير محسوب إلى نتائج لا يرغب جنبلاط في الوصول إليها، فيما يرى متابعون أن الرسالة تحمل في مضمونها محاولة لإظهار الانسجام مع المسار الذي يقوده عون في ملف حصرية السلاح، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جنبلاط غيّر كامل مقاربته السياسية.
وفي هذا السياق، لا تستبعد قراءة سياسية أن تكون المخاوف المتداولة حول العقوبات قد دفعت إلى إعادة حسابات داخلية، إلا أن هذا الاحتمال يبقى في إطار التحليل السياسي، إذ لا توجد حتى الآن معطيات علنية موثوقة تثبت أن واشنطن اتخذت قراراً بإدراج جنبلاط على لوائح العقوبات، ما يفرض الفصل بين المعلومات التي يمكن نسبها إلى مصادر، وبين الاستنتاجات التي تبقى قابلة للنقاش.
أما في ما يتعلق برئيس مجلس النواب نبيه بري، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيداً، فالإيجابية التي أبداها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه دور بري في المسار اللبناني لا تعني بالضرورة أن جميع الملفات المرتبطة به أصبحت خارج دائرة البحث الأميركي، كما أن الموقف الأميركي من الشخصيات اللبنانية يرتبط بسياق سياسي وأمني أوسع، يتصل بدورها في المفاوضات وعلاقتها بملف السلاح، وموقعها من مسار الدولة اللبنانية.
ومن هنا، فإن أي حديث عن احتمال شمول بري بعقوبات أميركية يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، خصوصاً أن العقوبات الأميركية لا تُبنى على الانطباعات السياسية، وإنما على قرارات رسمية تستند إلى معايير محددة، وبالتالي فإن الإيجابية السياسية في خطاب ترامب تجاه بري لا تكفي وحدها لإثبات استبعاد أي إجراء مستقبلي،كما أن تداول هذا الاحتمال لا يعني وجود قرار أميركي فعلي في هذا الاتجاه.
وفي المشهد الأوسع، تبدو واشنطن معنية بالنتيجة التي تريد الوصول إليها في لبنان، أي دعم قيام دولة قادرة على الإمساك بقرارها الأمني والعسكري، وتعزيز دور الجيش اللبناني، والوصول إلى ترتيبات مستقرة على الحدود الجنوبية، وهذا المسار يجعل مواقف القوى السياسية اللبنانية تحت المجهر، خصوصاً أن ملف السلاح أصبح جزءاً من علاقة لبنان بالمجتمع الدولي، وليس مجرد قضية داخلية يمكن فصلها عن الحسابات الإقليمية والدولية.