بين اختبار الدولة واختبار الثقة، لا تقاس المرحلة المقبلة باسم القرية، بل بقدرة الدولة على فرض سلطتها. فنجاح أول نموذج ميداني لن يحدد فقط مسار انتشار الجيش اللبناني، بل سيرسم أيضاً شكل المفاوضات اللاحقة، ومستقبل الانسحاب الإسرائيلي، وآلية التعامل مع ملف السلاح خارج إطار الدولة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد طوني أبي سمرا أن زوطر الغربية ليست مجرد منطقة جديدة على خريطة الانتشار، بل نقطة مفصلية ستحدد اتجاه المرحلة المقبلة بأكملها.
ويؤكد أبي سمرا في حديث لـLebTalks أن الحديث عن المنطقة التي ستلي زوطر الغربية لا يزال سابقاً لأوانه، لأن المشهد لا يزال محكوماً بتفاهمات دقيقة ومعقدة بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل، ولم تحسم بعد هوية المنطقة التالية. ويشدد على أن كل ما يتداول في هذا الإطار يبقى في إطار التقديرات، فيما القرار النهائي سيرتبط بنتائج التجربة الأولى.
ويشير إلى أن زوطر الغربية تكتسب أهمية استثنائية لأنها تقع شمال نهر الليطاني، ما يجعلها أول اختبار فعلي لقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ المهمة الموكلة إليه خارج الإطار التقليدي لتطبيق القرار 1701. فإذا تمكن الجيش من تثبيت سلطته وفرض الأمن فيها، ستنطلق مفاوضات عسكرية جديدة لتحديد المنطقة التالية التي سيشملها التنفيذ.
ويلفت إلى أن إسرائيل لا تزال تنظر إلى هذه المرحلة بحذر، إذ لم تقتنع بعد بأن الجيش اللبناني سيتمكن من تنفيذ كل الالتزامات المطلوبة منه، وفي مقدمها حصر السلاح بيد الدولة بصورة كاملة.
وبحسب أبي سمرا، فإن إسرائيل تربط أي انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية باقتناعها بأن الدولة قادرة على فرض سلطتها ومنع عودة أي وجود مسلح خارج إطار الشرعية.
ويعتبر أن نجاح هذه التجربة لا يرتبط فقط بالأداء العسكري، بل يتطلب أيضاً قراراً سياسياً لبنانياً واضحاً يمنح الجيش الغطاء الكامل لتنفيذ مهمته، لأن أي تردد سياسي قد ينعكس مباشرة على مسار التنفيذ.
وفي الجانب القانوني، يشدد أبي سمرا على أن الجيش يحتاج إلى غطاء قضائي يواكب المهمة الموكلة إليه. ويوضح أن قانون الدفاع يجيز، عند تكليف الجيش بمهمة أمنية، منحه صلاحيات تمكّنه من تنفيذ عمليات التفتيش، إلا أن الآلية القضائية التقليدية تقوم على استحصال استنابات من القضاء العسكري، وهو ما لا ينسجم مع طبيعة العمليات الميدانية السريعة في الجنوب.
ومن هنا، يدعو إلى أن تتخذ الحكومة قراراً واضحاً بتكليف الجيش بهذه المهمة، أو إعلان المناطق المشمولة مناطق عسكرية، بما يسمح بإصدار تفويض قضائي عام يمنح المؤسسة العسكرية صلاحية التحرك الفوري، على أن يصار إلى إبلاغ القضاء بنتائج كل عملية بعد تنفيذها.
ويرى أن هذه الآلية تؤمن الحماية القانونية للعسكريين وتمنحهم الغطاء القضائي اللازم أثناء تنفيذ المهمات.
ويؤكد أبي سمرا أن الدولة اللبنانية، ولا سيما الجيش، لن تقبل بأن يعود الجيش الإسرائيلي ليتولى التحقق بنفسه من تنفيذ الإجراءات الأمنية داخل الأراضي اللبنانية، معتبراً أن مهمة التحقق يجب أن تبقى ضمن الآلية الدولية، عبر الولايات المتحدة ولجنة الميكانيزم والخبراء المختصين الذين يتولون متابعة التنفيذ وتقديم الضمانات اللازمة.
وفي هذا الإطار، ينفي وجود أي توجه لنشر قوات أميركية مقاتلة في جنوب لبنان، مؤكداً أن واشنطن لا تسعى إلى ذلك، كما أن الدولة اللبنانية لا ترغب به. ويشير إلى أن أي حضور أميركي سيقتصر على خبراء واختصاصيين ورتباء تحقيق، إضافة إلى ضباط يعملون ضمن فرق المتابعة والتقييم بالتنسيق مع لجنة الميكانيزم.
أما التحدي الأكبر، بحسب أبي سمرا، فيبقى موقف حزب الله. فهو يرى أن الحزب لا يزال يرفض تسليم سلاحه شمال الليطاني، حتى وإن وافق على ترتيبات جنوب النهر، محذراً من أن استمرار هذا الموقف قد يقود إلى صدام سياسي داخلي إذا بقي التعنت قائماً.
ولا يستبعد أيضاً أن يلجأ الحزب، إذا تصاعدت الضغوط، إلى عمليات أمنية محدودة أو أحداث ذات طابع جرمي، بهدف إظهار الدولة بمظهر العاجزة عن ضبط الأمن الداخلي، وبالتالي التشكيك بقدرتها على ضبط الحدود وتنفيذ التزاماتها. كما يحذر من احتمال أن تدفع الضغوط الإيرانية الحزب إلى العودة نحو التصعيد إذا شهدت المنطقة تطورات عسكرية جديدة.
ويختم أبي سمرا بالتأكيد أن تلة علي الطاهر ستكون، وفق تقديره، آخر نقطة ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، نظراً إلى أهميتها العسكرية والاستراتيجية، ما يجعلها المحطة الأخيرة في أي مسار يؤدي إلى انسحاب إسرائيلي كامل.