كل يوم تشتد العمليات العسكرية الأميركية على الداخل الإيراني الغربي أكثر من اليوم الذي سبقه. وإذا أضفنا إلى ذلك ما قاله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، منذ ساعات، من أن إيران ستدفع ثمناً باهظاً، فإن الضربات والتهديدات الأميركية مرشحة للتوسع، ومعها تتوسع الحرب في المنطقة.
اللافت هو موقف الوسيط الباكستاني، الذي يبدو أنه فهم "عقم" الفكر الإيراني وأدرك سلبيته حتى تجاه أصدقائه، إذ هددت إسلام آباد، في الساعات الأخيرة، بالرد على أي اعتداء يستهدف سفينة أو ناقلة ترفع علمها إذا تعرضت لهجوم من الإيرانيين.
وهذا النموذج من المواقف، الصادر عن بلد كان من المفترض أن يثق بإيران ونظامها، يعبر عن عمق "فقدان الثقة" بإيران، حتى من قبل من يعملون لمساعدتها على الخروج من مأزقها.
المنطقة الغربية من إيران تشهد يومياً سلسلة ضربات تجاوزت 12 ضربة في اليوم بوتيرة متتابعة، والغاية الجيوسياسية واضحة: تغيير سيادة مضيق هرمز ليصبح أميركياً.
إيران، من جهتها، ترد بضربات على سبع دول خليجية، بالإضافة إلى الأردن، من دون الرد باتجاه إسرائيل، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل ستبادر إلى ضرب إيران، وهو أمر وارد جداً. ومن مؤشراته استعجال البيت الأبيض حسم الملف الأمني اللبناني، لتتفرغ إسرائيل، بعد انسحابها من الجنوب اللبناني، لضرب إيران.
وبالتالي، فإن الهدف الأميركي من الضربات الحالية على إيران هو تقليص قدراتها البحرية والصاروخية، وفتح مضيق هرمز، نظراً لتأثيره على الاقتصاد العالمي وسوق النفط، وقد بات ملف المضيق يتقدم على الأهداف الأساسية للحرب ضد النظام الإيراني.
وتشير المعلومات إلى أن الضربات تركزت على استهداف الصواريخ الإيرانية المضادة للسفن، والرادارات البحرية، ومنصات الصواريخ المتحركة، والمغاور الجبلية، ومخازن الصواريخ الباليستية في محافظة يزد.
وتريد الولايات المتحدة إبقاء إيران "محشورة" بين الحرب والسلام، فيما يتمثل الهدف الأساسي للضربات الحالية في الضغط عليها لخفض قدراتها على تهديد أمن الملاحة العالمية في مضيق هرمز، وانتزاع ورقة "الابتزاز" الإيرانية.
وفي الوقت نفسه، لا تريد إيران فتح حرب برية واسعة، وتفضل تجنب صراع عبر الحدود بسبب كلفته المرتفعة.
وعلى صعيد آخر، فإن إعلان الحوثيين حصاراً على المملكة العربية السعودية يضيف عنصر توتر جديداً يساهم في توسيع المواجهة الإقليمية، رغم أن تهديداتهم أدت، في المقابل، إلى نتيجة إيجابية تمثلت في تحقيق مصالحة سعودية - إماراتية قد تؤسس لتحالف عسكري يستهدف الحوثيين في المستقبل القريب.
أما علاقة الحوثيين بإيران فهي، إذا صح التعبير، "مشكولة"، إذ تختلف عن العلاقة العمودية التي تربط "حزب الله" بالنظام الإيراني. فالعلاقة بين طهران و"حزب الله" علاقة هرمية تشمل التمويل والتدريب والعقيدة.
ومثال على ذلك، تعرض مطار صنعاء للقصف في الأسابيع الماضية، ومنع هبوط طائرة إيرانية، الأمر الذي أدى إلى تصعيد لم يخدم الإيرانيين، من دون أن يصدر عنهم أي موقف تجاه السعودية.
وتتمثل أهداف الحوثيين في البقاء قريبين من إيران، والضغط على السعودية، وربما الحصول على مكاسب مادية ولوجستية، مع محاولة إبقاء المملكة على الحياد أو عدم جرها إلى حرب شاملة.
في المقابل، تبدو إيران وحيدة في المواجهة، من دون دعم دولي مؤثر.
فالصين تستورد النفط الإيراني، وقد اشترت نحو 80 مليون برميل خلال الفترة الأخيرة، ما يمنح إيران متنفساً مؤقتاً، لكنها لن "تنقذ" طهران من أزمتها، ولن تضحي بعلاقاتها مع دول الخليج من أجلها، كما أنها ليست مستعدة لمواجهة الولايات المتحدة، ما يجعل دعمها محدوداً.
أما روسيا، فهي منهكة بسبب الحرب في أوكرانيا، وقد تبين أن قدرتها على مساعدة إيران محدودة نتيجة استنزافها العسكري والاقتصادي، مع تكبدها نحو ثلاثين ألف إصابة شهرياً، إضافة إلى ما بين أربعين وخمسين ألف جريح. لذلك، يقتصر دعمها لإيران على بعض التقنيات، مثل الطائرات المسيّرة، أو الدعم الاقتصادي المحدود في مجالات السكك الحديدية والبنية التحتية، من دون أن تمتلك القدرة الكافية لإنقاذها.
فالوقت، إذاً، ليس في صالح إيران، في ظل تفاقم أزماتها الاقتصادية والسياسية.