في مناسبة تطويب البطريرك الماروني الياس الحويك، تتجدّد الإضاءة على سيرة رجل ترك بصمةً عميقة في تاريخ الكنيسة ولبنان، ليس فقط بدوره الوطني، بل أيضاً بروحانيته التي ترجمت الإيمان إلى خدمة، والمحبة إلى عمل، والرجاء إلى مسيرة صمود في أصعب المحطات. وعن هذه الروحانية ومعانيها اليوم، يتحدث النائب العام لأبرشية البترون المارونية، المونسنيور بيار طانيوس، مستعرضاً عبر LebTalks أبرز المحطات التي جعلت من الحويك رمزاً للإيمان والإنسانية والوطن.
وأكد المونسنيور طانيوس أن روحانية البطريرك الياس الحويك يمكن اختصارها بثلاث ركائز أساسية: الإيمان بالله، والإنسان، والوطن.

وأوضح أن البطريرك الحويك عاش علاقة بنوية عميقة مع الله، وكان متكلاً على عنايته ورحمته في مختلف مراحل حياته، لافتاً إلى أن صلاته كانت تختصر مسيرته الروحية في العبارة: "إلهي، اجعلني أعيش وأموت برضاك"، إذ لم يكن يسعى إلا إلى إتمام مشيئة الله.
وأضاف أن نظرة البطريرك الحويك إلى الإنسان انطلقت من إيمانه بأن الإنسان هو صورة الله، ولذلك كانت خدمته البطريركية أيقونةً للإنسانية. فقد فتح أبواب الصرح البطريركي في بكركي، ولا سيما خلال سنوات المجاعة، أمام كل جائع وكل طالب مساعدة، من دون أي تمييز، محولاً الصرح إلى ملجأ للفقراء والأيتام والجياع والمرضى وكل من أنهكته الحياة.
وأشار إلى أن روحانية الحويك لم تبقَ محصورة في الصلاة، بل ترجمت إلى أعمال ملموسة، فأسس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات للاهتمام بتربية الفتيات والتعليم والعائلة، محولاً صلاته إلى مدرسة، ومستشفى، ورغيف خبز، وكرامة مصونة لكل محتاج.
وشدد على أن البطريرك الحويك كان يؤمن بأن القداسة ليست هروباً من العالم، بل حضوراً فيه، عبر حمل محبة الله ورحمته إلى الناس. ومن هذا المنطلق، كرّس حياته للتربية والخدمة والدفاع عن كرامة الإنسان من دون أي تمييز، حتى لُقّب بـ"رجل العناية الإلهية"، لأنه بقي مؤمناً بأن الله يعتني بأبنائه حتى في أصعب الظروف.
وأضاف أن روحانية الحويك كانت روحانية رجاء، إذ لم يستسلم لليأس خلال الحرب العالمية الأولى وما رافقها من مآسٍ، بل بقي شاهداً حياً لمحبة الله ورحمته وقربه من الإنسان، مؤمناً بأن الله وحده سيد التاريخ، وأن محبته أقوى من الحروب والأزمات.
أما في ما يتعلق بعلاقته بلبنان، فأوضح المونسنيور طانيوس أن البطريرك الحويك كان يرى في لبنان أكثر من وطن، بل رسالة قائمة على الحرية والكرامة والعيش المشترك، حتى لُقّب بـ"بطريرك لبنان" لا "بطريرك الموارنة"، وكان يردد: "طائفتي هي لبنان".
وختم بالتأكيد أن البطريرك الحويك يشكل صفحة مشرقة في تاريخ الكنيسة المارونية ولبنان، وأن روحانيته تبقى إنجيلاً حياً عاشه رجل أحب الله والإنسان والوطن، داعياً المؤمنين إلى التماس شفاعته من أجل لبنان والكنيسة، وأن يهب الله دعوات كهنوتية ورهبانية مقدسة تحمل رسالة المسيح القائمة على الرحمة والمحبة.
وفي ما يتعلق باحتفالات التطويب، أعلن أن الاحتفال الرسمي سيقام في 25 تموز، عند الساعة الخامسة مساءً، في المقر البطريركي الصيفي في الديمان، برئاسة البطريرك، داعياً جميع المؤمنين إلى المشاركة في هذا الحدث الروحي الكبير.
وأضاف أنه في اليوم التالي، 26 تموز، عند الساعة الحادية عشرة والنصف قبل الظهر، ستُنقل ذخائر الطوباوي الجديد من الديمان إلى دير العائلة المقدسة – عبرين، مروراً بمحطات عدة تشمل كنيسة سيدة الانتقال في تنورين الفوقا، ثم بلدة حلتا، مسقط رأس الطوباوي، فـدير مار يوحنا مارون في كفرحي، ودير مار يوسف – جربتا، ودير مار قبريانوس ويوستينا – كفيفان، وصولاً إلى دير عبرين، حيث يُختتم النهار بزياح الطوباوي الجديد.
وهكذا، يبقى الطوباوي البطريرك الياس الحويك شاهداً حياً على أن القداسة تُعاش في خدمة الإنسان، وأن الإيمان الحقيقي يثمر محبةً وعطاءً ورجاءً.
ومع احتفالات التطويب ونقل ذخائره إلى بلدته والأديرة التي طبعت مسيرته، يستعيد اللبنانيون إرث رجل آمن بلبنان رسالةً للحرية والكرامة والعيش المشترك، لتبقى سيرته مصدر إلهام للأجيال المقبلة.