مدن "الحزب" السرّية تحت الأرض على طريق السقوط

1

كتب طارق أبو زينب في نداء الوطن:

لم تعد معركة "حزب الله" اليوم تدور حول تثبيت معادلات الردع أو توسيع هامش النفوذ كما في السنوات الماضية، بل باتت مرتبطة بمصير منظومة عسكرية شكّلت الأنفاق والمدن السرّية تحت الأرض أحد أبرز أعمدتها. فالمشروع الذي بُني على مدى أكثر من عقدين لتحويل باطن الأرض إلى مساحة للقيادة والحماية والإمداد، يواجه مرحلة جديدة فرضتها التحولات الميدانية والسياسية التي أعادت رسم المشهد في جنوب لبنان.

لم تكن هذه الأنفاق مجرد ممرات مخفية أو منشآت عسكرية معزولة، بل شكّلت بنية متكاملة تضم مراكز قيادة واتصالات، ومخازن صواريخ، ومواقع لوجستية، صُممت لتأمين القدرة على الصمود والمناورة في مواجهة التفوق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي. ومع توسّع هذه الشبكة، أصبحت إحدى الركائز الأساسية التي اعتمد عليها "الحزب" في بناء معادلة الردع خلال السنوات الماضية.

لكن هذه المنظومة تواجه اليوم واقعًا مختلفًا فرضته التطورات الميدانية الأخيرة. وأفادت مصادر جنوبية مطّلعة لـ"نداء الوطن" بأن أجزاء واسعة من البنية العسكرية الواقعة جنوب نهر الليطاني تعرضت لأضرار كبيرة خلال المواجهات، ما طال منشآت كانت تشكل جزءًا أساسيًا من منظومة العمل العسكري، من مراكز القيادة والسيطرة إلى مواقع التخزين والإسناد اللوجستي. ووفق المصادر، انعكست هذه التطورات على طبيعة الانتشار والقدرة العملياتية مقارنة بالمرحلة السابقة.

وفي موازاة تراجع فاعلية جزء من هذه البنية جنوب الليطاني، تشير المعطيات إلى أن الثقل العملياتي لـ"الحزب" بدأ ينتقل تدريجيًا إلى مناطق شمال الليطاني، حيث تُعاد صياغة أنماط الانتشار والتموضع وفق المتغيرات الأمنية الجديدة. ويعكس هذا التحول محاولة للتكيف مع واقع ميداني مختلف، بعدما كانت المنطقة الواقعة جنوب النهر تشكل مركز الثقل الأساسي في منظومة الانتشار العسكري خلال السنوات الماضية.

ولا يقتصر هذا التحول على الجانب العسكري فقط، بل يفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل التوازن بين الدولة والمنظومات المسلحة. فمع عودة البحث في مسؤولية الدولة اللبنانية الحصرية عن القرارين الأمني والعسكري، أصبحت هذه البنية العسكرية غير الرسمية جزءًا من نقاش سياسي يتصل بشكل الدولة ودورها في إدارة الأمن الوطني.

وتبرز منشأة "عماد 4" في تلال علي الطاهر في النبطية كأحد أبرز النماذج التي تختصر فلسفة العمل العسكري تحت الأرض. فالمنشأة التي كُشف عنها سابقًا عكست حجم الاستثمار في بناء مواقع محصّنة تجمع بين القيادة والاتصالات وحماية القدرات الصاروخية، بعدما أصبح نقل جزء أساسي من القوة العسكرية إلى باطن الأرض عنصرًا مركزيًا في استراتيجية "الحزب" الدفاعية. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المنشأة دخلت ضمن نطاق العمليات والمراقبة خلال المواجهات الأخيرة، بعدما فرض الجيش الإسرائيلي طوقًا حولها، ما جعلها نموذجًا للتحولات التي أصابت إحدى أبرز ركائز البنية العسكرية تحت الأرض.

وبعد حرب تموز 2006، انتقل مشروع الأنفاق والتحصينات إلى مرحلة توسع واسعة، مستفيدًا من الدعم الإيراني على مستوى التمويل والخبرات المرتبطة بتطوير القدرات العسكرية. كما تحدثت تقارير أمنية عن استفادة "الحزب" خلال مراحل مختلفة من خبرات خارجية في مجال بناء التحصينات والأنفاق، وهي تقنيات أصبحت جزءًا من نمط الحروب غير التقليدية.

وتشير تقديرات هندسية إلى أن عددًا من هذه المنشآت شُيّد داخل مناطق جبلية وصخرية وعلى أعماق كبيرة، واحتوى على تجهيزات تسمح بالعمل لفترات طويلة، من غرف قيادة واتصالات إلى مخازن ومرافق دعم. وقدّرت دراسات متخصصة كلفة مشاريع الأنفاق والتحصينات التي امتدت لأكثر من عقدين بما بين مليار وثلاثة مليارات دولار أميركي، ما يعكس حجم الموارد التي استُثمرت في بناء هذه المنظومة .

وفي السياق نفسه، ارتبط اسم مؤسسة "جهاد البناء" بتنفيذ مشاريع مرتبطة بالبنية التحتية العسكرية في مناطق نفوذ "حزب الله"، بما في ذلك إنشاء وتطوير منشآت وتحصينات ومدن تحت الأرض، إلا أن الولايات المتحدة أدرجتها على لوائح العقوبات، وسط نقاش سياسي وأمني في لبنان حول طبيعة أدوارها وموقعها ضمن البنية التنظيمية لـ"الحزب" في المرحلة الحالية.

إلا أن القضية الأساسية تتجاوز مصير الأنفاق والمنشآت بحد ذاتها. فهذه المنظومة كانت تعبيراً عن نموذج أمني قائم على امتلاك قدرة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة، وهو النموذج الذي يواجه اليوم اختباراً يتعلق بمستقبل القرار الدفاعي في لبنان، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد استمرار وجود منظومة موازية أو انتقالاً نحو دور حصري للمؤسسات الرسمية.

إن تراجع فاعلية مدن حزب الله السرّية تحت الأرض لا يعني فقط فقدان مواقع عسكرية محصّنة، بل يعكس تحولاً في نموذج أمني اعتمد عليه الحزب لسنوات. فالمعركة الحقيقية لم تعد حول الأنفاق وحدها، بل حول المسار الذي سيسلكه لبنان في إعادة تنظيم واقعه الأمني والعسكري.

وفي النهاية، فإن مستقبل الأمن اللبناني لن تحدده فقط المنشآت الموجودة في باطن الأرض، بل قدرة الدولة على تثبيت حضورها فوق الأرض، وإدارة قرارها السيادي، ووضع إطار واضح لدور المؤسسات الرسمية في حماية البلاد.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: