السودان في ساعة التقاطعات الساخنة

Smoke rises over the city as army and paramilitaries clash in power struggle, in Khartoum, Sudan, April 15, 2023 in this picture obtained from social media. Instagram @lostshmi/via REUTERS  THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. MANDATORY CREDIT

يعيش السودان أوقاتاً عصيبة لم تكن وليدة ساعتها بل نتيجة تراكمات وخلافات تجد جزءاً مهماً من جذورها في صراع المصالح الإقليمية المحيطة وتأثيراتها على الداخل السوداني .

تطورت الخلافات الداخلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إعتباراً من يوم السبت 15/4/2023 مع وقوع الصدام المسلّح بين الطرفين، وتدهور الوضع الأمني دراماتيكياً إلى اشتباكات مسلحة في الخرطوم، حيث ظهر الخلاف بين الجانبين إلى العلن منذ تصريحات قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو،
هذا الخلاف فجّرته تصريحات قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، والذي اتهم قائد الجيش عام 2021 بإقصاء الحكومة المدنية لعودة نظام "المؤتمر الوطني" المعزول.

وبعدها تحوّلت الخلافات إلى توترٍ وباتت أكثر وضوحاً بعد التوقيع على "الاتفاق الإطاري" المؤسس للفترة الانتقالية بين المكوّن العسكري الذي يضم قوات الجيش وقوات الدعم السريع في شهر كانون الإول الماضي، والذي أقرّ بخروج الجيش من السياسة وتسليم السلطة للمدنيين، حيث أعلن الجيش السوداني في وقت لاحق تأييده للاتفاق الإطاري، الذي ينص على دمج قوات الدعم السريع في الجيش، كما طالب الجيش بأن تكون هناك قيادة واحدة بعد الدمج، وطالبَ أيضاً بجعل شركات قوات الدعم السريع تابعة لوزارة المالية والإجراءات الحكومية المعروفة، كما اشترط أن يكون هو مَن يحدّد تحرّكات وانتشار القوات وفق عملية الدمج.

حميدتي من جهته اتهم قيادات في الجيش بالتخطيط للبقاء في الحكم معلناً تأييده لفكرة الدمج، ولكنه اشترط بأن يتم وفق جداول زمنية متفق عليها وبالمساواة بين ضباطه في الامتيازات مع نظرائهم في الجيش، وطالب بالتزام القوات المسلحة بالدستور السوداني الذي كان يتم إقراره.

الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان اتهم يوم الخميس الماضي الدعم السريع بتحشيد قواته وتركيزها داخل العاصمة الخرطوم وبعض المدن السودانية، وفي الوقت الذي يحتدم فيه الصراع بين الجيش السوداني والدعم السريع، قال نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو إنه لا يزال ملتزماً بما جرى التوقيع عليه في الاتفاق الإطاري لتسليم السلطة للمدنيين، كما يحرص على تعزيز الاستقرار في البلاد.

الأزمة السياسية في السودان تعود جذورها لسنوات بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير في شهر نيسان 2019 نتيجة انقلاب عسكري بعد حكمه الباد زهاء 30 عاماً، وفي شهر تشرين الأول 2021 حلّ البرهان الحكومة المدنية وفرض حالة الطوارئ في البلاد متعهداً بإجراء انتخابات عامة في شهر تموز من العام الحالي، لكن في خلال شهر كانون الأول من العام 2022، أبرمت القوى السياسية الرئيسية في السودان إتفاقية إطارية تضمّنت استبعاد الجيش عن السياسة وإصلاح قوات الأمن، إلا أن هذه الاتفاقية لم توقّع بعد تأجيل مرتين من دون الإعلان عن موعد جديد للتوقيع.

وفي ليل 12-13 نيسان الحالي، أصدر الجيش السوداني إنذاراً نهائياً لوحدات القوات الخاصة مطالباً إياها بمغادرة قاعدة مروي الجوية، إلا أن القوات الخاصة رفضت الطلب وعزّزت عديدها وعتادها العسكري للمواجهة.

الخلاف الداخلي بين الفريقين العسكريين المتخاصمين يتمحور حول موضوعين :
1- توقيت إدراج وحدات القوات الخاصة في جيش واحد.
2 - الاتفاق على شخصية القائد العام للقوات المسلحة يكون عسكرياً محترفاً أو رئيساً مدنياً للبلاد .

السودان اذاً في غمرة تخبط داخلي بات على نار حامية ودموية، وقد تحمل الساعات والأيام القليلة المقبلة تطورات دراماتيكية خصوصاً وأن الموقع الاستراتيجي للسودان لن يبقي دول الجوار على الحياد اذا تطورت الحرب الى مواجهات أهلية، حيث أن عدم استقرار السودان سيؤثر مباشرة على الأمن القومي المصري والأمن القومي الأثيوبي والأمن القومي الأريتري، والمعلوم أن سدّ النهضة لا يزال عقدة العقد الاستراتيجية والمائية بين مصر وأثيوبيا، كما أن ملف التوترات القبلية بين مناطق سودانية شمالية وأخرى جنوبية لا يزال مفتوحاً على مصراعيه، ما يمكن أن يستدرج تدخّلات إقليمية للحفاظ على المصالح الحيوية لكل بلد مجاور للسودان،
من دون أن يغيب عن بالنا أن السودان الذي طبّع مع إسرائيل من ضمن صفقة الاتفاقيات الإبراهيمية يعاني من معارضة داخلية شديدة جلّها من الحركات الإخوانية السابقة ومن أحزاب وقوى محافظة لم تكن موافقة على التطبيع وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليه بالغائه أو إعادة النظر فيه في أحسن الأحوال .

المعلوم أن الجيش السوداني يحظى بدعم مصر والإمارات والدول العربية، فيما قوات الدعم السريع لديها علاقات مع إريتريا وأثيوبيا وأوروبا، ما يوزّع خريطة توازنات إقليمية ودولية في ما يحصل في الداخل السوداني .
قوات الدعم السريع انبثقت من ميليشيا الجنجويد المسلحة التي كانت قاتلت في دارفور، وقد استخدمها الرئيس السوداني المعزول البشير لمساعدة الجيش على إخماد التمرّد في البلاد .

وبدءاً من العام 2015، باشرت قوات الدعم السريع مع الجيش السوداني في إرسال قوات للاشتراك في الحرب في اليمن، الى أن أجاز البرلمان السوداني بقانون نقل تبعية قوات الردع السريع من جهاز الأمن والمخابرات الى الجيش وقائده حينها الرئيس البشير ،
وما لبثت قوات الدعم السريع أن شاركت في الانقلاب على الرئيس البشير وأصبح بعد ذلك ومنذ العام 2019 نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الحاكم برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان .

عام 2022 وفي خلال زيارة له الى موسكو عشية الحرب في أوكرانيا، أبدى حميدتي انفتاحه على بناء قاعدة روسية على ساحل البحر الأحمر الا أن البرهان لم يوافق على المقترح، كما أن حميدتي عارض انخراط البرهان في التطبيع مع إسرائيل، الأمر الذي يطرح علامة استفهام حالياً في ظل التطورات المتسارعة حول إمكان أن يكون ما يجري راهناً من صراع دائر في الخرطوم وجهٌ آخر من أوجه الصراع الدولي بين جناح مدعوم من موسكو وآخر مدعوم أميركياً ومن الغرب وبعض الدول الخليجية والعربية للحدّ من توغّل روسيا في القرن الأفريقي، بالتوازي مع توسّع الصين ومصالحها وأميركا ومصالحها وأوروبا ومصالحها في هذه المنطقة الغنية والحساسة من العالم .

مهما يكن من أمر فإن ما يجري في السودان سيؤدي إما الى اندلاع حرب أهلية تعيد خلط أوراق إقليمية ودولية كثيرة وإما سينتهي بحسم عسكري يبدو الأقرب الى الواقع حالياً مع احتدام الصراع العسكري واستخدام الطرفين لكافة الأسلحة في ظل دعوات إقليمية ودولية لوقف القتال من دون أية مبادرات جدية تعيد رسم خريطة النظام السياسي في السودان.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: