أعلن السفير الإيراني لدى المملكة العربية السعودية علي رضى عنايتي أن بلاده لم تناقش الملف السوري مع السعوديين خلال أي من المحادثات، وبذلك تكون إيران قد نفت رسمياً علاقة الملف السوري بالمصالحة مع السعودية.
إيران كانت قد رحّبت بإعادة النظام السوري الى الجامعة العربية، مؤكدةً على رؤيتها بإمكان تسوية الخلافات عبر الحلول السياسية كما قال السفير الإيراني في الرياض.
والجدير التذكير به أن طهران كانت قبل أيام قد أعلنت عبر وزارة خارجيتها تعيين السفير عنايتي سفيراً جديداً للبلاد لدى المملكة.
كلام السفير الإيراني ليس معزولاً عن سلسلة من المواقف والتصرفات المشبوهة التي ظهرت منذ فترة، ما بعد قمة جدّة وحتى قبل انعقادها بقليل، وفي هذا السياق كان السفير الإيراني في لبنان مجتبى أماني قد صرّح منذ أيام أن البند المتعلق بعدم التدخّل في شؤون الدول، كما ورد في البيان الإيراني- السعودي المشترك، لا يتعلق فقط بإيران بل أيضاً بالمملكة، ما يعني أن سوريا ولبنان غير مشمولين بالاتفاق الإيراني- السعودي.
من جهته، أعلن حسن الخميني حفيد آية الله الخميني منذ أيام أيضاً أن إيران، في كل من لبنان وسوريا واليمن، لا ينبغي إن تتراجع "لكن وعندما تقتضي الضرورة يجب أن نعمل بشكل صحيح وليس بالانفعالات" كما قال.
اللافت أن الخميني لم يذكر العراق على اعتبار أن العراق في الفكر الجماعي لنظام الملالي محافظة إيرانية منتهية قصتها.
الخميني كشف في حديثه "مكر وثعلبة" السياسة الإيرانية، وقد زادتنا مناورات حزب الله الأخيرة وتصاريح أمينه العام حسن نصرالله الذي شكر إيران وسوريا والمقاومة والممانعة، يقيناً بأن طهران بصدد الانقلاب على اتفاق بكين ومسح توقيعها وتعهداتها.
توقيت مناورة حزب الله بحد ذاته، والذي جاء بعد قمة جدّة مباشرة في اليوم التالي، كان أبلغ رسالة بعدم تقيّد إيران لا بتهدئة ولا بتبريد أجواء كما تريدها السعودية.
أهمية هذه المناورة، فضلاً عن أهدافها ورسائلها الإقليمية، أنها أفهمت مَن يهمه الأمر في الداخل اللبناني بأن لا مجال لسحب أي تنازل من حزب الله في لبنان.
كل هذه الوقائع التي ترافقت مع إشارة متجدّدة الى "سين-سين" جديدة، أفرغت الاتفاق السعودي- الإيراني من كل محتواه الإقليمي لدرجة يبدو أن إيران لا تزال حتى الساعة تتّبع معادلة أ-أ أي إيران -إيران على هواها ومزاجها.
طهران تقولها بالفم الملآن : "لا تتدخّلوا في شؤون الدول التي أحتلها والتي أتحكّم بها"، وقد أكد وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد في مقابلته المتلفزة غداة قمة جدّة على نفس المعادلة التي تفرضها إيران على تابعيها، بمعنى عدم تدخّل العرب والجامعة في سياسات سوريا الداخلية وتحالفاتها، وبالتالي عدم التدخّل في نهج نظام الأسد الموالي لإيران وروسيا، واستمرار النزيف السوري ومعضلة النازحين السوريين وكأنك يا " أبو زيد ما غزيت ".
والملاحظ تشدّد النظام السوري في مواقفه الأخيرة لا سيما بعد قمة جدّة كتشدّده في موضوع الوجود التركي شمال سوريا، إذ ان النظام يرفض التحدث الى القيادة التركية قبل ما يُطالب به من انسحاب كامل من شمال سوريا.
وعندما عقد اللقاء الثلاثي التركي- الروسي مع النظام، فرضت طهران نفسها على طاولة التفاوض لمنع التفرّد ببشار الأسد ولإفهام حتى الروس أن الأمر في سوريا لها ولها وحدها وهي التي لم تمانع في مشاركة بشار الأسد في قمة جدّة انطلاقاً من سياسة الخبث الديبلوماسي التي تشتهر بها طهران في إظهار مرونة ظاهرية وتجاوب شكلي فيما الحقيقة في مكان آخر.
باختصار إننا أمام بوادر خديعة كبرى ستتبلور فصولها تباعاً، فنظام الملالي لا يؤمَن له جانب وكذلك وكلاؤه الاقليميون.
وبعد هذا كله، لا نرى بحسب ما نسمع ونشاهد اتفاق بكين الا فرصة وجيزة لن يُكتب لها النجاح طويلاً، وكل ما يُحكى ويُشاع عن جهل أو سوء أو حسن نية من حديث عن اتجاه المنطقة نحو الاستقرار والتسويات ليس الا هباءً وتعبيراً عن آمال وتخيّلات تخالفها السياسات المخادعة لنظام الملالي والحرس الثوري ومعهما سياسات وكلائهما على امتداد جغرافية المنطقة.