ماذا يجري بين الرياض وموسكو : غيمة صيف أم بداية صراع ؟

6463135957323-05-16e38a80ca182c2653c541287b1dd4fbf4427542ab

بعدما فشلت واشنطن في حمل الرياض على رفع إنتاج النفط في العام الماضي رغم زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن الى المملكة العربية السعودية، وتنازله عن مواقفه الرافضة والمتنكّرة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وبعدما التزمت إدارة الرئيس بايدن الصمت حيال ولي العهد لقاء ما تلقّوه من الجانب السعودي من وعود بعدم التدخّل في أسواق النفط طالما أن حرب أوكرانيا مشتعلة، الأمر الذي أعجب الجانب الأميركي وجعله يطمئّن للموقف السعودي.
لكن اتخاذ المملكة بعد تلك الفترة نهجاً يتجه نحو تخفيض الإنتاج من داخل منظمة أوبيك صَدمَ البيت الأبيض خصوصاً أنه يمتلك ضمانات ووعوداً من الرياض بعدم الإقدام على تخفيض أي إنتاج نفطي.
موقف الرياض وجه بغضب أميركي وازدادت يومها التكهّنات بإمكان تدخّل الولايات المتحدة بقوة في الأسواق العالمية لزيادة الإنتاج وتخطي آثار تخفيضه من قبل أوبيك
الا أن اجتماع أوبيك بلاس في فيينا في نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٢٢ والقرار بخفض الإنتاج مليوني برميل يومياً أثار سخط البيت الأبيض واستيائه وغضبه وصدمته، لأن الأميركيين لم يكونوا ليتوقعوا تخفيضاً للإنتاج بهذا الحجم الضخم.
واشنطن توعّدت بعقوبات على المملكة وإعادة تقييم للعلاقات يومها لأن واشنطن لم تستوعب ما اعتبرته اصطفافاً سعودياً الى جانب روسيا في عزّ لحظة المواجهة الروسية- الغربية في أوكرانيا،
وهي اتهمت يومها الرياض بالوقوف الى جانب الروس ضدها لمساعدتها على رفع سعر برميل النفط بما يعود بالمنفعة على روسيا الغارقة في حربها مع الغرب.
هذا الاعتقاد لا بل الاتهام الخاطئ للسعوديين من قبل الجانب الأميركي ما لبث أن تعدّل بعدما أدركت واشنطن أن الرياض عملت بموجب مصلحتها لا مصلحة الروس أو سواهم.
وفي شهر نيسان الماضي، عادت الرياض وخفّضت إنتاج النفط مجدداً لكن رد فعل واشنطن هذه المرة اتّسم بالصمت وبقبول أميركي ضمني عبّر عنه الرئيس بايدن شخصياً عندما سئل عن موقف واشنطن من التخفيض الثاني فكان جوابه بأن القرار ليس بالسوء الذي نتخيله.
وزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان كان أثناء مشاركته في فوروم قطر الاقتصادي مؤخراً قد حذّر من إمكانية قيام أوبيك بخفض الإنتاج للمرة الثالثة في خلال اجتماع المنظمة في شهر حزيران المقبل،
والغريب أن أسعار النفط لم تتحرك تصاعدياً رغم تخفيضَين ضخمَين للإنتاج وبعض التقلّبات التي بقيت في حدود المقبولة.
هنا تبيّن أن سبب عدم ارتفاع سعر برميل النفط بالشكل المتوقّع هو روسي، إذ أفصح موقع بلومبرغ عن عدم التزام موسكو بتخفيض الإنتاج كما قررته منظمة أوبيك.
في اجتماع المنظمة في شهر نيسان الماضي حيث تقرر تخفيض جديد للإنتاج، التزمت موسكو بتخفيض الإنتاج بنسبة ٥٠٠ ألف برميل يومياً لكنها لم تتقيّد بوعدها أمام أوبيك بل على العكس استفادت من تخفيض شركائها في أوبيك إنتاجهم المقرّر لتغزو الأسواق التي تراجع تزويدها بالنفط من قبل أعضاء أوبيك وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية، فزادت بالتالي موسكو معروضها على الأسواق الآسيوية.
من هنا برزت مشكلة قدرة الرياض على تطويق روسيا نفطياً لأن موسكو باتت مصدر تهديد للرياض لكون ما تفعله الأخيرة هو إرسال نفطها الى آسيا ومنع عقود النفط السعودية طويلة الأجل من البيع في آسيا.
والمعلوم أن روسيا تصدّر نفطها بأقل من سعر الأسواق وبالتالي تستفيد من تأمين بيوعات محقّقة وتفيد أكبر مستوردين في العالم من نفطها أي الصين والهند،
فبرفع كل من الصين والهند كميات استيراد النفط الروسي يتأثر سوق نفط الشرق أوسطي سلباً ما يُعتبر انقلاباً على مقررات أوبيك لجهة خفض الإنتاج وخيانة السعودية التي تغزو روسيا أسواقها،
فكلما خفّضت الرياض الإنتاج زادته روسيا لبيعه وتصديره الى الصين والهند وتحقيق الأرباح، علماً بأن موسكو لا تلتزم بمقررات تخفيض الإنتاج لأنها في حالة حرب تلزمها تأمين موارد مالية ضخمة لمجهودها الحربي في أوكرانيا.
الرياض كشفت الخيانة الروسية وما زيارة وزير الداخلية الروسية مؤخراُ الى الرياض والخاضع لعقوبات الا للبحث في عدم احترام موسكو لمقررات أوبيك بلاس وطعن الرياض في ظهرها في الأسواق الآسيوية.
صحيفة وول ستريت جورنال في عددها بتاريخ ٢٧ أيار الحالي طرحت السؤال حول انتقام محتمل من الرياض ضد روسيا، إلا أن الأكيد بحسب المعطيات والمعلومات بأن لا الرياض بصدد الانتقام ولا موسكو بصدد الرد على أي انتقام سعودي لأن كلي الطرفين بحاجة للآخر تجنّباً لتكرار حرب ٢٠٢٠ النفطية بينهما.
فايننشال تايمز من جهتها وفي تقرير لها بالأمس كشفت أن بنك التنمية التابع لمجموعة دول بريكس يناقش السعودية للانضمام لهذا البنك إلا أن الأمر دونه عقبات، ومع بقاء علاقات الصين مع روسيا على جانب كبير من اللحمة والدعم والتعاضد فإن سياسة الرياض تبقى منفتحة لكل الناس وكافة الدول بعيداً عن لعبة المحاور والاصطفافات الإقليمية والدولية وبما يلبي مصالح المملكة العربية السعودية لكن هذا الانفتاح تحكمه قاعدة واحدة : مصلحة المملكة ودول الخليج، ما يعني أن العلاقات السعودية- الدولية باتت محكومة بمصالح، فالرياض راهناً مصلحتها بأن يصل سعر برميل النفط الى ٨١ دولاراً لتمويل مشروع نيوم السعودي ورؤية ٢٠٣٠ لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ما يعني الاستمرار في سياسات أوبيك المخفّضة للأسعار، بينما روسيا بحاجة لمزيد من بيع نفطها المتراكم في مخزوناتها لأنها بحاجة الى تمويل حربها في أوكرانيا، فيما السوق الصيني الذي زاد مشترياته من النفط الروسي بنسبة ٤٠% بالإضافة الى السوق الهندي المتعطش للنفط الروسي يأكلان من صحن النفط السعودي والخليجي، وهنا صدام المصالح بين الرياض وموسكو.
يجب أن لا يغيب عن البال غضب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من استضافة المملكة خلال القمة العربية في جدّة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي ومن المساعدات المالية التي التزمت المملكة بتقديمها اليه،
فهل يكون التصرف الروسي في موضوع النفط رد فعل انتقامي الى حد ما من نهج الرياض تجاه أوكرانيا ؟
كل شيء ممكن وقد أصبحنا في عالم وعلاقات دولية متشابكة المصالح، وأيضاً متضاربة في ما بينها حيث يمكن لدولتين أن تتعايشا وتتحالفا كلياً او جزئياً في ظل منافسة حادة وربما صراع مضبوط الإيقاع بينهما.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: