بين موسكو وكييف مسيّرات متبادلة في العمقين الروسي والأوكراني… فهل يفشل بوتين ويسقط ؟

2023-02-22T210006Z_2087476504_RC2FGZ9MI3P5_RTRMADP_3_UKRAINE-CRISIS-BRITAIN-TANKS-scaled-e1678133950584

سجّلت الحرب في أوكرانيا في الأيام الأخيرة تطوراً نوعياً وخطيراً تمثّل بتعرّض موسكو لقصف أوكراني شديد بمسيّرات أوكرانية.
هذا التطور يبدو أنه يأتي بعد سلسلة من التطورات الميدانية في شرق أوكرانيا حيث تمكنت القوات الأوكرانية من الصمود في قسم من باخموت فيما بدأت كييف التمهيد لهجومها المضاد المتوقع.
قد يذكر البعض المسيّرة التي انفجرت فوق قبة الكرملين منذ أسابيع وعاصفة التصريحات الروسية الغاضبة التي توعّدت كييف بالرد الانتقامي الكبير، إذ ما هي الا ساعات حتى بدأت موسكو تستهدف على وتيرة شبه يومية العاصمة الأوكرانية كييف بقصفٍ بالصواريخ والمسيّرات دمّر العديد من الأحياء في العاصمة الأوكرانية وأسقط العديد من المواطنين بين قتيل وجريح، فيما أعلنت موسكو أن القصف استهدف عدة مراكز قرار أوكرانية.
رئيس بلدية موسكو أعلن أن العاصمة تعرّضت لقصف من مسيّرات تسببت بأضرار خفيفة في بعض الأبنية من دون سقوط ضحايا فيما تم إسقاط هذه المسيّرات.
مستشار الرئيس الأوكراني ميخائيل بودوليك نفى علاقة كييف بالقصف على موسكو رغم ما أبداه من سعادة لمشاهدة المسيّرات وهي تدّك أحياء العاصمة الروسية.
وزارة الخارجية الروسية ذكرت من جهتها أن تصريحات الغرب حول أن أوكرانيا لن تهاجم الأراضي الروسية مجرد نفاق، وحمّلت الدعم الغربي لكييف مسؤولية وصول الأمر الى قصف العاصمة موسكو.
والمعلوم أن الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة والناتو، كانا قد أعلنا عن تزويد كييف بأسلحة بعيدة المدى لكن بشرط عدم استخدامها في مهاجمة الأراضي الروسية، وهو الموقف الذي كرّره الناطق بإسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي منذ ساعات بتأكيده على عدم استخدام كييف السلاح النوعي في مهاجمة العمق الروسي، متنصّلاً من المسؤولية عن القصف على موسكو .
المتحدث بإسم الكرملين ديميتري بيسكوف من جهته أشار الى أن الدفاع الجوي الروسي عملَ بشكل فعال في مواجهة المسيّرات الأوكرانية، معتبراً أن الهجوم الأوكراني على موسكو هو ردّ من كييف على الضربات الروسية الأخيرة للعاصمة الاوكرانية، مشدّداً على المضي قدماً لتحقيق الأهداف العملية الخاصة، كما يقول محتفظاً بحق الردّ.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إتهم كييف بترويع موسكو، مشيداً بمنظومة الدفاع الروسية التي تصدّت، ومعلناً أن روسيا ستدرس طبيعة الرد على هذه الهجمات، واعداً بتعزيز الدفاعات الجوية بشكل أكبر، متهماً الدول الغربية بخداعه عندما وعدته بعدم توسيع الناتو باتجاه الشرق ثم بعد ذلك وصلت أوكرانيا الى العمق الروسي.
كل هذه المواقف تستوقفنا أمام الملاحظات الآتية :

  • أولاً : خطر توسّع الحرب في أوكرانيا إ ان انتقال أولويات التركيز الميدانية على العمق الروسي من شأنه تشتيت التركيز العسكري الروسي لأن الأوكرانيين أثبتوا قدرتهم على تهديد هذا العمق تماماً كما تهدّد موسكو العمق الأوكراني بوضع كل أوكرانيا في مرمى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية والروسية وقصفه.
  • ثانياً : الاعتداء على هيبة روسيا و"جبروت" الرئيس بوتين بحيث شكّل قصف الأوكرانيين للعاصمة موسكو إنجازاً حربياً واستراتيجياً هجومياً ترك آثاره المعنوية على الرئيس والقيادة الروسية.
  • ثالثاً : خلافاً لما كان يشيعه المسؤولون الغربيون بامتناع كييف عن استخدام الأسلحة النوعية والبعيدة المدى التي زوّدت بها في الاعتداء على العمق الروسي، جاء القصف الأوكراني لموسكو ليفتتح مرحلة جديدة من المواجهة قد تكون أكثر قوةً وخطورةً على مجمل الحرب في أوكرانيا، ويثبّت عزم كييف على ضرب العمق الروسي رداً على ضرب العمق الأوكراني، وهنا يُطرح السؤال : لماذا التساهل مع ضرب الروس كييف كل يوم وعلى مدار الساعة ورفض ضرب موسكو رداً على اعتداء الروس على أوكرانيا وعمقها ؟
  • رابعاً : رغم الملاحظات أعلاه، قد يكون في مكان آخر ثمة لغز بموضوع قصف المسيّرات لموسكو قوامه التساؤل عما اذا كانت العاصمة الروسية، وكما أرسلت من الداخل الروسي مسيّرة الكرملين منذ أسابيع واتهمت كييف بقصفه ما مهّد لقصف كييف ومراكز القرار فيها قصفاً تدميرياً، أن تكون وراء المسيّرات التي أُرسلت مؤخراً الى موسكو، خصوصاً أن كييف نفت مسؤوليتها وتورّطها رغم إبداء سرورها بالقصف، أو لا يمكن أن يكون قصف موسكو بالمسيّرات عمل استخباراتي روسي غايته إظهار قوة سلاح الدفاع الجوي الروسي تأكيداً لوضع العاصمة الأمني المضبوط جواً وبرّاً، وقدرة روسيا على حماية جوها خصوصاً وأن المسيّرات الثماني تم إسقاطها كلها من دون الوصول لأي من أهدافها، غمزاً من قناة مَن تسوّله نفسه من الجانب الأوكراني أو الغربي الاعتداء على الداخل الروسي من جهة، وخلق التبرير وتحت شعار الاحتفاظ بالرد القوي على كييف كتمهيد لعمليات خطيرة ومدمّرة في العمق الأوكراني من جهة أخرى،
    وعدم تهليل أوكرانيا للضربات على موسكو قرينة إضافية حول السيناريو الذي تكلمنا عنه أعلاه.
    روسيا هي المستفيدة من ضرب موسكو بالمسيّرات لأن في هذه الضربات ستكون تبريراً لضربات روسية مقبلة ضد أوكرانيا.
    بإمكان موسكو اصطناع هشاشة وضع ما للاستفادة منه لتحقيق أهداف أخرى، وقد علّمتنا المدرسة السوفياتية أن غياب الرأي العام الضاغط على الحكم ورقابة الصحافة المستنيرة والإعلام الكاشف في روسيا، فضلاً عن سجن أو قتل أو إبعاد المعارضين يبقي الغموض "البنّاء" لسياسات الكرملين، سيد الموقف حيث يمكن تمرير أي مخطط أو خطة استراتيجية أو قرار عبر إيذاء الذات اذا تطلب الأمر ذلك لحسن سير المخطط.
    لكن ولنتصوّر للحظة أن السيناريو الذاتي الروسي غير صحيح وأن كييف هي التي تقف فعلاً وراء المسيّرات الثماني المرسلة الى موسكو، أفلا يُعدّ ذلك أمراً كارثياً أكثر على روسيا خصوصاً وأن المسيّرات الأوكرانية فَرَضاً أنها أُطلقت من الداخل الروسي أو من الأراضي الأوكرانية فهذا سيعني حتماً تشكيكاً بقدرات موسكو في دفاعاتها الجوية ليس على التصدي للمسيّرات بل منعها من دخول الأجواء الروسية أصلاً.
    لا يزال قائد ميليشيا فاغنر بريغوحين يتهم القيادة العسكرية الروسية بالتقاعس والفشل في إدارة " العملية الخاصة، " فهل بإمكاننا الاتكال على كلام صغارهم لمعرفة أسرار كبارهم؟
    ربما هناك ثمة وضع روسي ميداني غير مفهوم وقد حقق الأوكرانيون في خلال الأيام القليلة الماضية إنجازات نوعية في خاركيف وبيلغورود، بما ينذر بتوسّع الحرب وتعرّض الأراضطي الروسية للهجمات الأوكرانية الجبارة.
    يبقى أن على كييف وحلفاء أوكرانيا الغربيين وعلى الناتو واجب الاحتياط والاحتراز مما يمكن أن تقوم به موسكو تحت حجة من "بنات أفكارها" لتغيير وجهة المعارك والحرب في أوكرانيا وأوروبا، وها أن موسكو تدعم، إن لم تكن تحرّك أو تركب موجة الاضطرابات في خاصرة أوروبا الرخوة أي كوسوفو وصربيا، معلنةً صراحةً دعم الصرب ضد أهالي كوسوفو المسلمين، فهل بلغ الرئيس بوتين من حراجة في وضعيه الميداني والسياسي في أوكرانيا ما يجعله يفكر في إشعال ملف حرب أو اضطرابات داخل أوروبا تخفّف التركيز الغربي على دعم أوكرانيا ؟
    مهما يكن من أمر ومهما كانت السيناريوهات، فإن الشيء الأكيد هو أن اتساع الصراع مع أوكرانيا الى الداخل الروسي أسوأ كارثة يمكن أن تلحق ببوتين ومخططاته وإثبات فشل تلك المخططات عشية انطلاق الهجوم الأوكراني المضاد.
المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: