زيارة بلينكن الى الرياض وقرارات مجلس التعاون : إسفين في نعش التطبيع مع الأسد

57892ba2-9e19-49e8-984a-174de447b357

سبق لنا في أكثر من مقالة خلال الأسبوعين الأخيرين أن أشرنا الى عثرات التطبيع العربي مع نظام الأسد، ولا سيما في ظل قرب صدور قانون أميركي يمنع التطبيع مع الأسد ويوقف مساعي الانفتاح الخليجي على نظامه كما وفي ظل مواقف الجانب السوري الذي يتنكّر لكافة التزاماته التي حُدّدت له من قبل الجامعة العربية في القرار ٨٩١٤ الذي استند الى القرار الأممي ٢٢٥٤، والذي اعتبر النظام أنه بمثابة menu à la carte يطبق منه ما يناسبه ويهمل ما لا يناسب.
تطور جديد بالغ الأهمية سُجّل في الأيام الثلاثة الأخيرة تمثّل بزيارة وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن الى الرياض ومشاركته في اجتماع مجلس دول التعاون الخليجي على مستوى وزراء الخارجية بعدما التقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووصفت الأجواء بأنها كانت على جانب كبير من الصراحة والمباشرة، حيث حمل الوزير الأميركي ملفَين أساسيين : ملف العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وملف التطبيع مع إسرائيل.
اتصفت المحادثات حول الملفَين بالصراحة والصدق وبعض التوتر والحدّة في النقاش الى أن تقرر استكمال المحادثات لاحقاً.
الواضح من الاجتماع بين محمد بن سلمان وانطوني بلينكن أن واشنطن تسعى الى ردم الهوات العديدة التي فتحتها في سياساتها تجاه المملكة، لاسيما في مجال حقوق الانسان وفي السلبية الأميركية تجاه ولي العهد الى ما هنالك من ملفات شائكة في الأمن الإقليمي، وصولاً الى الاتفاق السعودي- الإيراني الذي لا تعارضه واشنطن ولا تبحث عن طريقة لتسيير تطبيقه بالتوافق مع حساباتها بعد عودة المحادثات النووية بين واشنطن وطهران مؤخراً.
المحطة الأهم كانت في مشاركة الوزير بلينكن في اجتماعات وزراء خارجية دول مجلس التعاون، وفي البيان الذي صدر نتيجة هذا الاجتماع والذي تُرجم "فرملة" أميركية للتطبيع مع نظام الأسد كي لا نقول منع للاستمرار في هذا التطبيع، فالبيان الأميركي- الخليجي الصادر عن وزراء مجلس التعاون والوزير بلينكن أعاد ضبط عقارب التطبيع على الساعة الأميركية، وقد تضمن دعماً للتوصّل الى حل سياسي في سوريا وفقاً للقرار ٢٢٥٤.
القرار تضمن تأكيد الجانبَين مجدداً التزامهما بالتوصّل الى حل سياسي للأزمة السورية يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٢٥٤، والترحيب بالجهود العربية لحل الأزمة بشكل "خطوة مقابل خطوة" بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤.
البيان حثّ على ضرورة تهيئة الظروف الملائمة لعودة آمنة وكريمة وطوعية للاجئين والنازحين داخلياً.
هذا البيان الخليجي- الأميركي يتزامن مع انكباب مشرّعين أميركيين على دراسة قانونٍ من شأنه توسعة نطاق قانون قيصر وعرقلة تطبيع العلاقات مع أي نظام يقوده بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن سَنّ قانون أميركي جديد حول مكافحة الكبتاغون والذي سيُفرض على النظام السوري قريباً.
من الواضح وفقاً لكل هذه المعطيات أن ثمة ضجيجاً أميركياً صاخباً لا يمكن أن تبقى دول مجلس التعاون وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية غير مكترثة به، بغضّ النظر عن مآلات هذا الضجيج والصخب، إلا أنه واضح أمام كل الأنظمة الخليجية والعربية، ما يفترض الاستماع اليه وأخذه بالاعتبار.
بيان مجلس التعاون يحمل بوضوح بصمات بلينكن ويعني فيما يعنيه أن الملف السوري لا يزال في المربع الأول والكلام الوارد فيه ليس بجديد لكنه يحمل هذه المرة طعماً أميركياً مصمماً على منع التطبيع مع نظام الأسد مهما كانت الكلفة.
دولة قطر تتميز بموقفها المبدئي الصلب الرافض للتطبيع مع الأسد تحت أي ظرف ولأي سبب، في الوقت الذي تستهدف فيه
كل التشريعات الأميركية نظام الأسد، وهي لا تسقطه بقدر ما تزيد من محاصرته وخنقه انطلاقاً من توقف ضخّ أي فلس وهو الذي يحتاجه الأسد حالياً بالتحديد.
موقف واشنطن المعادي لبشار الأسد ليس مدفوعاً بقناعات ثابتة مبدئية بقدر ما هو مدفوع بحسابات استراتيجية لها علاقة بالصراع الأميركي- الروسي في أوكرانيا بحيث أن واشنطن لا تريد تعويم الأسد حليف روسيا في المنطقة، وهنا الهدف الاستراتيجي الأساسي لواشنطن التي لن تمنح موسكو انتصاراً مجانياً في سوريا فهي لن تسقطه لكنها لن تعوّمه.
وبعبارة أوضح، فإن واشنطن تريد الأسد " لا معلّق ولا مطلّق " بحيث تريد إبقائه مهترئاً أكثر فأكثر، وتضغط باتجاه المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات للتوقف عن أي دعم مالي لسوريا عبر نظام الأسد.
بيان جدّة أكد اذاً موقف واشنطن الممانع لأي تطبيع عربي أو خليجي مع الأسد وتطلب من عواصم المنطقة التوقّف عن السير في التطبيع مع الأسد، محذّرة من أي خطوة في الاتجاه الراهن.
الرياض من جهتها لن تتوقف عن اتخاذ خطوات تطبيعية آخرها قرار الطيران المدني السوري بتسيير رحلات الى المملكة لكنها لن تستطيع تجاوز المنع الأميركي بإرسال أموال أو القيام باستثمارات تدرّ على نظام دمشق الأموال.
الموقف الأوروبي من جهته قوي أيضاً ضد نظام الأسد، وقد ألغت المانيا مؤخراً اجتماعاً مع وزراء الخارجية العرب بسبب حضور الوزير السوري فيصل المقداد.
الوضع اذاً مع سوريا ما زال في مكانه وهذا بحد ذاته إنجاز بالنسبة لرافضي التطبيع بحيث لم يُسجّل أي تقدّم " الخطوة بخطوة " بين سوريا والعرب الى الآن، فواشنطن لن تنسحب من شمال شرقي الفرات السوري كأداة من أدوات المحافظة على الوضع المهترئ لبشار الأسد، وهي بصدد بناء مطار عسكري ضخم واستقدام أسلحة نوعية وبعيدة المدى، فضلاً عن تدريبها قوات سوريا الديمقراطية تدريبات جيش نظامي وليس ميليشيات في مقابل الاحتشاد الإيراني على الحدود مع العراق عبر كردستان العراق كما سبق وأشرنا أيضاً الى ذلك، وتداعيات الاحتشاد على الوضع العسكري والأمني في المنطقة برمّتها.
الأنظار شاخصة حالياً الى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وحكومته الجديدة لمعرفة الاتجاهات التي سوف تسلمها أنقرة في موضوع تعويم الأسد من عدم تعويمه من باب حلّ ملف النازحين، علماً أن أنقرة باشرت، وبتمويل قطري، في بناء وحدات سكنية على الحدود الشمالية لسوريا لإسكان النازحين السوريين ورفع أعبائهم عن كاهل تركيا الخارجة من معركة انتخابية قاسية كان فيها ملف النازحين السوريين أحد أهم وأخطر الأوراق التي استُخدمت في الحملات المتبادلة.
بيانا جدّة لوزراء الخارجية الخليجيين والأميركي جاءا في توقيت دقيق ليدكا إسفيناً جديداً وإضافياً في نعش التطبيع العربي والخليجي مع نظام الأسد، فلا مال ولا إعمار ولا نهوض طالما أن ثمة حسابات في واشنطن ضد موسكو، وقد تحوّل الأسد ونظامه الى "جيفة" ميتة نتنة تفوح منها روائح الموت السريري إقليمياً ودولياً.
سبق لنا أان كتبنا بأن واشنطن تُسقط التطبيع العربي مع بشار الأسد، واليوم نقول إنها تقطع الشك باليقين وتنهي مسار التطبيع العربي- والخليجي الذي كان ليستفيد منه بشار الأسد ونظامه.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: