نشرت مجلة الشراع بتاريخ ١٥ الجاري تقريراً على جانب كبير من الأهمية، أحاطه تعتيم إعلامي وسياسي كبير نظراً لما تضمّنه من حقائق لم يتم نفيها من أي دولة من الدول المعنية في التقرير.
فحوى هذا التقرير كشفَ النقاب عن أحاديث دارت أثناء القمّة العربية الأخيرة في جدّة، والتي حضرها رئيس النظام السوري بشار الأسد وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وقد أبلغ الأخير الاسد التصوّر العربي لمستقبل سوريا ونظام الأسد نفسه، وأنه لم يبقَ أمام بشار الأسد للبقاء في سوريا حاكماً من دون صلاحيات سوى عامين فقط يترك بعدها السلطة ويخرج من سوريا في العام 2025، والأدهى أن الأسد ترجّى الأمير بن سلمان إبقاءه حاكماً ولو صورياً أطول مدة ممكنة، وهو الطلب الذي قابله ولي العهد بالرفض القاطع.
هذا الموقف السعودي من بشار الأسد ونظامه يحظى بدعمٍ وإجماعٍ عربي، ولا سيما من جمهورية مصر التي ظلت تتعامل بإيجابية مع النظام السوري لحرصها التاريخي على الجيش السوري منذ حرب أكتوبر ( 1973).
هذه الوقائع الخطيرة المسرّبة من الاجتماع بين ولي العهد محمد بن سلمان وبشار الأسد تؤشر الى سلسلة من الاستخلاصات :
- أولاً : الحل في سوريا بات جاهزاُ بانتظار قطار انطلاقه والذي لن يكون لبشار الأسد أي دور في تثبيته كونه المشكلة الأساسية للسوريين، فلا يمكنه بالتالي أن يكون هو جزءاً من الحل
- ثانياُ : انتهى الدور الأسدي في المنطقة بعدما تخلّت إسرائيل والولايات المتحدة عن الحليف الخفي لهما، والذي حافظ على أمن واستقرار إسرائيل لأكثر من أربعين عاماً، من الأسد الأب الى الإبن. فبعد الذي مارسه بشار الأسد من فظاعات، لم يعد بإمكان إسرائيل أن تبقى على دعمه ومساعدته على الاستمرار بعد هول المجازر التي ارتكبها هو ونظامه في حق شعبه.
- ثالثاً : مغادرة بشار الأسد مؤتمر القمّة الأخير في جدّة لم تخلُ من معالم لوحظت على وجه الأسد من غضبٍ وعصبيةٍ حملت أكثر من إعلامي وصحافي على التساؤل حول السبب من وراء ذلك، ليتبيّن لاحقاً أن هذا التوتر جاء على خلفية كلام ولي العهد محمد بن سلمان لبشار الأسد حول مستقبله ومستقبل نظامه.
- رابعاً : المملكة العربية السعودية بقيادتها الشجاعة عادت لتمسك بمصير سوريا، ونجحت في فرض نفسها على الساحة الإقليمية واستعادة المبادرة الخليجية والعربية التي كانت شبه غائبة، بحيث يمكن القول إن المملكة باتت تتزعم مجدداً المنطقة العربية بدعم وتضامن مصر والدول العربية كافة.
- خامساً : تزامن ما يُحكى حول سوريا مع بروز مبادرة الضابط مناف طلاس بإعلانه عن عزمه تشكيل مجلس عسكري يتولّى إدارة البلاد بعد بشار الأسد.
والجدير ملاحظته في هذا السياق أن أعضاء المجلس العسكري لن يكونوا أكثر من موظفين يعملون على استقرار سوريا تمهيداً لإعادة تشكيل الحياة السياسية والمؤسساتية. - سادساً : كما سبق لنا وأشرنا في أكثر من مقال عن المخطط الأميركي بالتحرّك شرق سوريا لربط شمال الشرقي بالتنف ومن ثم بدرعا والسويداء في الجنوب السوري لمحاصرة الأسد ونظامه في البقعة الداخلية من سوريا. التحرّك الأميركي الكثيف في شمال وشمال شرق سوريا دفع بوزير الدفاع الروسي الى الاعتراض على التحرّكات والسلاح الأميركي واتهام واشنطن بأنها تتجاوز الخطوط الحمر.
والمعلوم أن ثمة قوات قسد ومغاوير الثورة في أقصى الجنوب وقبائل عربية في سوريا تتحرّك يومياً باتجاه التنف، وباتجاه تنفيذ المخطط الأميركي لسوريا وعزل بشار الأسد جغرافياً وسياسياً.
ما نشرته مجلة الشراع اذاً يؤكد المؤكد لجهة قصر عمر نظام بشار الأسد وانتهاء حكمه وحكم آل الأسد في العام ٢٠٢٥ بانتهاء وظائفه الإقليمية التي كان لها الدور الأبرز في بقائه بين الأب حافظ والإبن بشار.
موسكو بدورها تتفهّم موقف الرياض بضرورة تطبيق القرار الدولي الرقم 2254 الذي ينصّ على إعادة تشكيل السلطة في سوريا، وتضع الصلاحيات على طاولة مجلس الوزراء برئاسة شخصية سنّية ( أوردت الشراع معادلة الحكم في العراق حيث السلطة في يد الأغلبية الشيعية منذ الاحتلال الأميركي لبلاد الرافدين اعتباراً من 22/3/2003 وتطبيقها في سوريا حيث الأغلبية السنّية التي يجب أن تحكم عبر مجلس الوزراء، وكتبت أن العميد مناف طلاس هو من المرشحين لتشكيل الحكومة الجديدة في سوريا بصلاحيات حقيقية على الجيش والأجهزة الأمنية ووزارة المال ومصرف سوريا المركزي) موافقة موسكو على تطبيق هذا القرار الدولي الذي وقّعه وزير خارجيتها سيرجي لافروف مع وزير خارجية اميركا في حينه جون كيري، جاء بعد جهود بذلها الأمير محمد بن سلمان مع فلاديمير بوتين، مع الإشارة الى أن مسار العدوان الروسي على أوكرانيا لم يكن يوماً لمصلحة موسكو، فأميركا نجحت في جرّ روسيا الى مستنقع أوكرانيا، وواشنطن الآن لا تريد الاندفاع لمزيد من المواجهات العسكرية داخل روسيا نفسها وربما ستعرض بعد فترة تسويةً تقضي بأن تحتفظ روسيا بشبه جزيرة القرم التي احتلها بوتين عام 2014، على أن تنسحب من بقية الأراضي التي احتلتها في أوكرانيا، وقد يكون للأمير محمد بن سلمان دور مهم في ترتيب هذه التسوية .