شمال سوريا في ساعة المواجهات الكبرى والمستنقعات الإقليمية

WhatsApp Image 2023-06-26 at 9.15.57 AM

ثمة قرار اتُخذ، روسياً وايرانياً مع النظام، باستعادة الشمال السوري، وقد تقاطعت المعلومات حول حصول تحذير روسي لتركيا من مغبة عرقلة تنفيذ هذا القرار .
قوات النظام باشرت منذ أيام عملية انتشار للحرس الجمهوري السوري في مناطق حلب حيث حصلَ قصف على قرى إدلب ( جبل الزاوية ).
قائد أركان القوات الروسية في سوريا أعلن منذ أيام عن بدء ما أسمته موسكو "معركة الشمال"، وهي في الواقع عملية عسكرية روسية بالتعاون مع قوات الجيش السوري والحلفاء الإيرانيين في ريف حلب الشمالي، تلك العملية التي ستشمل لاحقاً قرى عزاز وكفرجنة كمرحلة أولى، ومن ثم الباب ومارع، وصولاً الى عفرين في مرحلة ثانية.
الطيران الروسي يشنّ غارات على شمال غربي سوريا على محيط مدينة إدلب بالتزامن مع قصف النظام على قرى وبلدات تناس في أرياف إدلب وحلب.
إسرائيل من جهتها رصدت طائرة شحن من طراز بوينغ ٧٤٧ تابعة لشركة إيران للطيران هبطت ٦ مرات في قاعدة حميميم الجوية، مرجّحة نقلها أسلحة ومعدات عسكرية إيرانية، مع احتمال قيام الروس بنقل أسلحة وعتاد الى أوكرانيا أوصلها اليها الإيرانيون.
في المقلب الشرقي لسوريا، ثمة تحضيرات أميركية لعمليات عسكرية محتملة ضد الميليشيات الإيرانية قرب الحدود السورية- العراقية تزامناً مع تقارير استخباراتية أن إيران تحضّر لهجمات ضد القوات الأميركية المتمركزة في المناطق السورية الغنية بالنفط خصوصاً في دير الزور.
انطلاقاً من هذه المعطيات الميدانية والسياسية المستجدة، ستباشر تركيا إعادة انتشارٍ في الشمال تنسحب بموجبه من المنطقة تاركةً مصير المعارضين لنظام دمشق وللروس وإيران من دون أي اعتراض دولي أو عربي، لأن المطلوب إنهاء ملف التنظيمات التكفيرية والإرهابية في الشمال السوري، تمهيداً للجلوس في مرحلة لاحقة على طاولة الحل السياسي.
تركيا من جهتها تريد من نظام بشار الأسد : استيعاب اللاجئين السوريين ومحاربة مشروع قسد ( قوات سوريا الديمقراطية- الأكراد ) وقد تخلت أنقرة على ما يبدو عن دعم المعارضة السورية وعن مشاركة الإخوان في أي حكومة سورية عتيدة إنتقالية، وقد بدأت أنقرة تسلّم رؤوساً إخوانية الى نظام الأسد.
تركيا ستسلّم كامل الشمال السوري للنظام مع إبقاء نقاط مراقبة بالتزامن مع ملامح حصول تطبيع قطري- سوري بعد تحقّق التطبيع التركي- المصري .
في اجتماعات أستانة، تم وضع خطة للتطبيع بين تركيا ونظام الأسد بدعم وتحريك روسي، وقد تدخّلت روسيا مباشرةً لإنجاز التقارب بين دمشق وأنقرة رغم كلام النظام عن رفض أي تطبيع مع الأتراك ما لم ينسحبوا من الشمال السوري أو يتعهّدوا وفق برنامج زمني بالانسحاب.
السؤال يُطرح حول توقيت هذه التغيّرات الميدانية في الشمال السوري : الجواب لأن تجميع السلاح من حوالي ٢٠ مليون سوري في الشمال يحتاج الى وقت طويل، ولأن الشمال السوري بات يزعج كلاً من الروس والإيرانيين والأتراك على السواء، وبالتالي كان لا بد من بدء خطة إطلاق على الفصائل والتنظيمات الإرهابية لضمان سيطرة النظام السوري على هذه البقعة من الشمال السوري.
السيطرة على الشمال السوري تحتاج طبعاً الى وقت طويل بين ٣ و٥ سنوات اذا تعاطت تركيا بايجابية حتى النهاية مع هذه الخطوة، ما يعني أن النظام لن يكون بمقدوره مشاهدة نهاية العملية لأنه، وبدءاً من العام ٢٠٢٥، سيغادر الحكم كما هو مرسوم له.
الأكيد أن أولويات العرب والغرب في سوريا قد تبدّلت بحيث بات بند مكافحة الإرهاب هو البند الأول نظراً للضغوط التي تمارسها التنظيمات الإرهابية المسلحة في الشمال على للنظام السوري.
التفاهم بين قسد والنظام فشل لكن باب التفاوض لم يقطع بعد،
وفي المقابل الضغط الأميركي- الأوروبي مستمر لمغادرة بشار الأسد السلطة وحصول عدالة إنتقالية، وقد بلغ الأمر بالأوروبيين الى مقاطعة اجتماعات مشتركة مع الدول العربية لوجود الممثل السوري للنظام، ما أحدث بعض التوتر في العلاقات بين أوروبا وجامعة الدول العربية في الأيام القليلة الماضية.
الأوروبيون والأميركيون يمارسون أيضاً ضغوطاً على العرب لعدم التراخي مع نظام بشار الأ،سد فالخطوة الأولى المطلوبة من النظام تنفيذ القرار العربي ٨٩١٤ والمنبثق من القرار الأممي رقم ٢٢٥٤ وذلك بتشكيل حكومة موسعة وواسعة الصلاحيات وإطلاق المعتقلين وتشكيل لجان تحقيق، وهي أمور ستستغرق وقتاً طويلاً.
منذ تشكيل لجنة المتابعة العربية بموجب القرار العربي ٨٩١٤ والنظام السوري يراوغ ويسوّف وهو الى الآن لم يعطِ شيئاً للعرب، في نفس الوقت الذي لم يعطِ فيه العرب شيئاً للنظام، لأن الدول الكبرى تمنع التطبيع ولا تعترف بشرعية النظام السوري.
من هنا، فإن الإجراءات التي تتم حالياً في سوريا هي لمساعدة الدولة السورية لا النظام وما تبقى من مؤسسات للسيطرة على الشمال السوري والمعابر مع تركيا، فيما لا استثمارات مالية ولا مشاريع إعادة إعمار انطلقت الى الآن في سوريا.
في هذا السياق، دفعت دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية حتى الآن الى الأتراك ما قيمته حوالي ٦٤ مليار دولار لتسهيل مواقف أنقرة حيال الملف السوري، وفي مقابل تنازل الأتراك عن المطالبة بمشاركة الأخوان المسلمين في أي وزارة سورية عتيدة،
في المقلب الغربي ومنذ أيام، وضعت لندن وزير الدفاع السوري ورئيس أركان النظام على لائحة المعاقَبين، ما يؤكد عدم استعداد الغرب للاعتراف بالنظام، وقد وضع مشروع قانون من الكونغرس باإنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة الأسد ونظامه، فيما الحدود السورية- العراقية تشهد توترات كبيرة تعبيراً عن التصعيد الأميركي- الإيراني، مع رغبة واشنطن وحلفائها المحليين في سوريا بإقفال معبر الطريق البرّي بين العراق وسوريا،
وبالتالي وبموازاة عودة الزخم الروسي الى جانب النظام في دمشق المتركز على الشمال السوري، يعود الزخم الأميركي في الشمال الشرقي للفرات، ما يطرح أكثر من معادلة على المسرح السوري في الأيام والأسابيع المقبلة.
الساحة السورية المتعدّدة الصراعات المتشعّبة الأطراف والمتشابكة اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين تحوّلت الى مسرح تُرسم فوقه معالم مستقبل الدولة السورية والمنطقة جزئياً، فيما الصراع يشتد بين ضفتي الفرات، ومعها انغماس سوريا أكثر فأكثر في مستنقع الصراع الدولي والإقليمي وترسيم خرائط نفوذ جديدة، مع ما يمكن أن يكون لذلك من انعكاسات على مجمل الإقليم القريب والبعيد.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: