هل تشهد العلاقات الروسية- التركية مرحلة توتّر جديدة ؟

تركيا-وروسيا

بقلم جورج أبو صعب

أثار قرار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بتحرير قادة وعناصر مجموعة آزوف التي قاتلت الروس بضراوة في ماريوبول، وإعادتهم على نفس طائرة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي عاصفةً من الاحتجاجات الروسية الرسمية، وقد اتصل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بنظيره التركي هاكان فيدان للاستفسار عن خلفيات هذا القرار والاعتراض الشديد عليه.
هذا التطور حملَ أكثر من محلّلٍ ومراقبٍ للعلاقات الروسية- التركية الى استشراف مرحلة من التوتر قد تسود العلاقات بين البلدين بسبب ما حصل.
قد يكون هذا التطور خطيراً بالنسبة للروس، الذين اتفقوا مع الأتراك بعد إنهاء أزمة حصار آزوفستال، على أن تستقبل أنقرة قيادات وعناصر آزوف عندها وتبقيهم لديها حتى انتهاء الحرب في أوكرانيا، إلا أن إقدام الرئيس اردوغان على إطلاق سراحهم وإعادتهم مع الرئيس الأوكراني الى كييف صدمَ موسكو التي شعرت بالخذلان من تركيا.
من الناحية الجيو سياسية، هذا التصرّف التركي لا يمكن بالطبع أن يبقى من دون ردّ روسي، لكن فلننتبه جميعنا الى أن هذا الردّ لن يكون قاطعاً أو سلبياً بالقدر الذي يتوقعه البعض لأكثر من سبب جيو سياسي، ومن بين الأسباب :

  • أولاً: حاجة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى تركيا كون أنقرة، وبموجب اتفاقية مونترو الدولية لتنظيم الملاحة وحركة العبور من المضائق التركية وحمايتها (البوسفور والدردنيل) في أوقات الحروب والسلام الموقّعة في العام 1936، تمنح الحقوق الكاملة لتركيا في ممارسة سيادتها على المضائق وإدارتها وإعادة تحصينها، وتعطي حرية المرور عبر مضائق البحر الأسود للسفن التجارية في أوقات السلم والحرب، وتسمح بمرور السفن الحربية لدول حوض البحر الأسود من دون أي تحديد. أما السفن الحربية التابعة لدول من خارج حوض البحر الأسود، فقد سمحت الاتفاقية بأن تكون سفناً خفيفةً ومساعِدة بحيث لا يزيد عدد المجموعة المارة عبر مضيق في آن واحد عن تسع سفن، وبحمولة إجمالية لا تتجاوز 15 ألف طن، فيما تمثّل المضائق التركية المخرج الوحيد للسفن الروسية من البحر الأسود المغلق، وتمر عبرها نحو 20 سفينة تجارية روسية يومياً، كما تمثّل السفن التجارية الروسية 40 % من الحمولة المارة في المضيقَين (البوسفور في إسطنبول، والدردنيل في جناق قلعة)، وقد طالبَ الاتحاد السوفياتي (السابق) أكثر من مرة بتعديل معاهدة مونترو بأن تشترك دول البحر الأسود كلها بالإشراف على الملاحة في المضائق، إلا أن الاتفاقية بقيت من دون أي تعديل على حقوق تركيا حتى الساعة، وبالتالي فإن أي توترٍ في العلاقات بين موسكو وأنقرة، بحسب الرئيس بوتين، سيكون له تداعيات خطيرة على حركة الملاحة الروسية، وعلى مرور القطع الحربية الروسية من والى روسيا عبر المضائق إن لم تكن العلاقة إيجابية مع الجار التركي، ما قد يخنق موسكو تجارياً وعسكرياً في الحالة المعاكسة.
  • ثانياً: موسكو يهمّها أن تبقى تركيا، وهي عضو أساسي في حلف الناتو، صلة وصل استراتيجية بينها وبين دول الحلف للاستفادة من موقع تركيا المميز بين المعسكرَين، ومن الخدمات التي تقدمها أنقرة للطرفَين انطلاقاً من هذا الموقع المميز .
  • ثالثاً: إن موسكو محكومة بالتعاون مع أنقرة في الملف السوري الذي يجمعهما، وفي هذا السياق يُذكر أن اجتماعات تحصل بين الجانب الروسي الممثَّل بوزير الخارجية الروسي، والجانب التركي الممثَّل بوزير الخارجية التركي، والجانب السوري الممثَّل بوزير خارجية النظام حالياً للبحث في تطبيع العلاقات التركية- السورية، وقد أعلن المبعوث الروسي الخاص في سوريا الكسندر لافرانتياف أن عملية التطبيع بين دمشق وأنقرة متواصلة على قدم وساق وبشكل مكثف.
    ويُلاحظ في هذا الإطار وجود تناقضات في التصريحات وبرودة العلاقات في المفاوضات الجارية للتطبيع، وما يرشح عنها من مواقف لا تبشّر بقرب حصوله، لا بل تحمل على الاعتقاد بأن الطريق لا تزال طويلةً وشائكةً قبل حصول التطبيع التركي- السوري.

وفي وقتّ يبدي الجانب الروسي تفاؤله بحصول التطبيع رغم الصعوبات، اذا بنظام الأسد، على لسان السفير السوري السابق في تركيا نزار قبلان، يصرّح بعدم إمكان حصول أي لقاء بين بشار الأسد والرئيس رجب طيب اردوغان قبل التوصل الى اتفاق، أبرز بنوده خروج القوات التركية من الاراضي السورية.

أنقرة بدورها كان سبق لها أن وضعت شروطها على طاولة التفاوض بإشارتها، خلال الاجتماع الرباعي الذي عُقد في أستانة، الى ٤ شروط للتطبيع مع نظام الأسد تشمل تعديل الدستور السوري بهدف تحقيق إصلاحات ديمقراطية في البلاد، وإجراء انتخابات عادلة في سوريا، وعودة اللاجئين السوريين بكرامة وأمان الى بلادهم، وضمان ذلك وفق مذكرة خطية لأن حل قضية اللاجئين بالنسبة لأنقرة أحد أهم المسائل المرتبطة بتطبيع العلاقات مع النظام السوري.

انطلاقاً من هذه المعطيات، جاءت حركة الرئيس اردوغان بالإفراج عن كتيبة آزوف بعد إقامة جبرية فُرضت على عناصرها وقادتها بناءً لاتفاق روسي- تركي سابق إبّان إنهاء أزمة مصانع ازوفستال، لتُربِك الجانب الروسي الى درجة إعلان الكرملين عن إلغاء زيارة للرئيس بوتين كانت مخطّطة الشهر المقبل الى تركيا.

الرئيس اردوغان لم يقف عند هذا الحد، إذ أنه وأثناء استقباله للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، لم يخفِ دعمه لانضمام أوكرانيا الى حلف الناتو، وقد يُفسّر هذا الموقف التركي المستجدّ من باب إحراج الناتو قبل انعقاد قمته المرتقبة الأسبوع المقبل، وإشاحة النظر عن مسألة انضمام السويد الى الحلف كون أوكرانيا أوْلَى بالمعروف منها.

خطوة إطلاق قادة آزوف جاءت أكثر من حركة تكتيكية موجّهة برسائل مشفّرة الى موسكو، قد يكون مفادها أن تركيا التي تحرص على علاقات جيدة مع روسيا، لا تستطيع في نفس الوقت أن تتنكّر لعلاقاتها الجيدة مع كييف والنظام الأوكراني بحكم الجوار الاستراتيجي وبحكم عضوية تركيا في الناتو الذي يقاتله الرئيس الروسي، وبالتالي فإن هذه الحركة قد تترك آثاراً على العلاقات التركية- الروسية ستكون الساحة السورية مختبرها، وبخاصة شمال غرب سوريا، كما يجب أن لا نُسقِط من حساباتنا الدور الأميركي الذي قد يكون مؤثراً على خطوة الرئيس التركي انطلاقاً من مكاسب معينة قد تكون واشنطن قدّمتها لأنقرة مقابل هذه الخطوة، انطلاقاً من سياسات هذه الأخيرة المتقلّبة بين الأضداد تبعاً لمصالحها.
وقد يكون التصرّف التركي في سياق الضغط على موسكو قبل أيام من انتهاء اتفاق تصدير الحبوب، في ظل عدم إظهار موسكو رغبة واضحة في تجديد هذا الاتفاق.
الجانب التركي يعتبر القرار حقاً سيادياً غير قابل للنقاش أو التشاور حوله مع أي دولة، من هنا فإن أي توتر روسي- تركي لن يكون لصالح أي من البلدين للاعتبارات التي عُرضت أعلاه، لا سيما عدم قدرة روسيا على ضرب علاقاتها مع تركيا للأسباب الجيو استراتيجية التي عرضناها، في مقابل عدم استعداد أنقرة للتخلّي عن دورها مع روسيا، وبخاصة في شمال غرب سوريا فضلاً عن الحرب في أوكرانيا.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: