تشهد الحرب في أوكرانيا اتجاهات تصعيدية خطيرة، وقد دخلت الحرب منعطفاً خطيراً مع ظاهرة قصف الموانىء المتبادل بين القرم واوديسا وتزويد كييف بالقنابل العنقودية وتهديد موسكو بردٍّ عنيف، ما يُنذر بانزلاق مدمّر لتلك الحرب نشكّ حتى الساعة في إمكانية تحمّل الغرب أوزارها.
حتى الساعة، يرفض الطرفان الحلول السلمية وكل طرف يسعى لتحسين مواقعه ومكتسباته الميدانية قبل الجلوس الى أي طاولة تفاوض محتملة في المستقبل.
وبالانتظار، تُطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة ما آلت اليه هذه الحرب.
هناك تصوّرٌ دراماتيكي مزدوج يُطرح على بساط البحث مع انكشاف أوراق تلك الحرب كافة : ففي حال انتصار روسيا - بوتين وتحقيق العملية الخاصة لأهدافها المتمثّلة من الجانب الروسي بحياد أوكرانيا وإزالة ما تعتبره موسكو النظام النازي في كييف، وتكريس نهائي "لروسنة" (أي جعلها روسية) القرم والدونباس سيعني هذا الانتصار أمرين أساسيين :
- الاول: إنكسار نظام الرئيس الأوكراني زيلينسكي، وبالتالي سقوط نظامه من الداخل الأوكراني.
- الثاني: نكسة كبيرة للغرب الذي أخذ الموضوع الأوكراني الى أبعد حدود التحدّي والمواجهة بالدعم الكبير والمتواصل لأوكرانيا في مقاومتها الغزو الروسي.
اذا انتصرت أوكرانيا في هذه الحرب سيعني ذلك سقوط الرئيس بوتين ونظامه في موسكو وانهيار روسيا من الداخل اولاً، وبالتالي يقظة كل الحركات الإنفصالية في الداخل الروسي وفي جوارها المنصهر الى حد كبير ضمن السطوة الروسية.
من هنا، نرى أن الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية وإدارة الرئيس جو بايدن وبريطانيا وبعض الدول الأوروبية الأكثر حماسة مثل بولونيا والسويد والنروج وسواهم أمام أسئلة جدية ومصيرية يتحتم عليهم الإجابة عليها بكل صدق ومصارحة الحليف الأوكراني، وفي نفس الوقت واجب حفظ ماء وجه كييف إزاء الروس.
المعضلة التي وصلت اليها الحرب ليست مقتصرَة فقط على زيادة التسليح الغربي لكييف في ظل نقص الأسلحة في المخزونات العسكرية الاستراتيجية للحلفاء وما يُقال في أروقة القرار الدولي الحليف لأوكرانيا، بل تتعداها الى الكلفة السياسية والاستراتيجية التي بات يعاني منها الغرب الداعم لكييف.
فاذا كان المراد استمرار الحرب وإطالة أمدها لاستنزاف كل من كييف وموسكو لحملهما متعبتَين منهكتَين على القبول بالجلوس الى طاولة المفاوضات والسلام، فإن على حلفاء أوكرانيا أن يدركوا أن تلك الحرب لا تدمّر سوى أوكرانيا ولا تقتل سوى أوكرانيين ولا ساحة حرب إلا في أوكرانيا، وبالتالي من غير الإخلاقي ومن غير المقبول الاستمرار بالتضحية بالأوكرانيين لتصفية حسابات تتجاوز الحدود والمسألة الاوكرانية من دون آفاق لحسم الحرب لصالح أوكرانيا.
طبعاً ربّ قائلٍ إن الحرب هي في النهاية على أوكرانيا ويعود للأوكرانيين أن يقرروا إما الاستمرار فيها وإما وقفها، وهذا صحيح الى حدٍّ ما وليس كلياً لأن ما يرشح يوماً بعد يوم من مواقف وتصاريح من واشنطن الى أقرب نقطة حدود مع الروس يحمل رسائل مقلقة بدءاً من داخل البيت الأوروبي، وقد بات الأوروبيون منهكين سياسياً وعسكرياً وتكاد اقتصاداتهم تتحوّل كلياً الى اقتصادات حرب بدل أن تكون اقتصادات استهلاك وتصنيع وتنمية.
في الآونة الأخيرة، لا يتوانى بعض الساسة والقادة الأوروبيين عن إبداء التعب وأحياناً الغضب من الضغط الذي تمارسه حرب كييف على بوتين، فيما الأميركي يدعم كييف ويشجعها على الاستمرار في القتال من دون أرضية عسكرية متطوّرة وسلاحٍ متطوّر، ومنه سلاح الجو وأف 16 القادر على حسم الكثير من المعارك في إطار الهجوم الأوكراني المضاد المتباطىء حتى الساعة.
القلق والخوف هو بأن تكون الحرب في أوكرانيا قد بدأت تتحوّل من حرب الأوكرانيين المشروعة لتحرير بلادهم الى حرب عالمية بالواسطة على أرض أوكرانيا يكون الأوكرانيون وقوداً لها في خضم مقاومتهم للاحتلال … كما أن القلق والخوف من أن تستعصي معادلة المفاضلة الصعبة والمدمّرة بين سقوط موسكو أو سقوط كييف.
لا يجب أن يغيب عن البال أن موسكو تمكّنت من استهداف وتدمير قسم مهم من الأسلحة والدبابات والعتاد الحربي الغربي في ساحات القتال، ومنها دبابات ليوبارد والهامرز وسواها، ما يعني أن قدرة الجيش الروسي على مواجهة الهجوم المضاد الأوكراني أكبر بكثير مما ظنّته القيادات الغربية العسكرية في الناتو، فإن كانوا لا يعلمون بقدرات موسكو الحقيقية فتلك مصيبة وان كانوا يعلمون فالمصيبة أعظم، وعندها لماذا يرفضون تزويد كييف بما يلزم من أسلحة نوعية تساهم في إنجاح الهجوم المضاد؟
بعبارة سياسية أوضح، الناتو والعواصم الكبرى الحليفة لأوكرانيا أمام ساعة الحقيقة: اذا كانوا يريدون تقصير أمد الحرب ومساعدة الأوكرانيين حقاً في تحرير أرضهم عليهم وقف انتهاج أسلوب التحريض والحضّ والبدء بتزويد كييف بالسلاح المطلوب، وإلا فإنهم يساهمون مساهمة مباشرة في تسعير النيران على الأوكرانيين وهم يعلنون أين وكيف ستكون نهاية هذه الحرب.
أنه المأزق الكبير الذي يُخشى أن نواجهه، والمطلوب حسم وحزم غربيَين لحلفاء كييف، والا وقف استنزاف الأوكرانيين ودولتهم في حرب تطول من دون طائل في ظل الإيهام المفرط بدعم حتى النهاية التي لا يجب أن تكون على حساب أوكرانيا.
وفي مطلق الأحوال، من الخطأ لا بل الخطيئة أن يتقبل حلفاء أوكرانيا والناتو وصول المعادلة الى خيار إلزامي بين سقوط نظام كييف أو سقوط نظام موسكو لأنه لا يجوز مساواة المعتدي بالضحية ماذا والا سيكون مستقبل النظام العالمي قاتماً.