استقبل رئيس الجمهورية جوزاف عون، اليوم الثلثاء، أمام أعضاء السلك الديبلوماسي وممثّلي المنظمات الدولية المعتمدين في لبنان، في قصر بعبدا.
وقال الرئيس عون: "اليوم، بعد سنة، إسمحوا لي أن أجري معكم الجردة الإنقاذية الأولية التالية:
داخلياً، وضعت لنفسي هدفاً أول مرحلياً، هو ضمان الاستقرار الوطني، والتحضير لعودة لبنان وعودة نهوضه الشامل. وذلك على أربعة مستويات: السيادة والأمن. إعادة تكوين إدارات الدولة. الإصلاحات العامة وخصوصاً الاقتصادية والمالية والنقدية منها. واحترام الاستحقاقات الديمقراطية، المتعلقة بإعادة تكوين السلطات الشرعية.
في العنوان الأول، أؤكّد لكم أنّنا أنجزنا الكثير. وذلك بالتعاون مع حكومة نواف سلام. ومع رئيس المجلس النيابي نبيه بري. كما مع القوى السياسية كافة. فليس تفصيلاً ما قررته حكومتنا بين 5 آب و5 أيلول الماضيين، من خطة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على أراضيها بقواها الذاتية حصراً".
وتابع عون: "دعوني أقول لكم بصراحة، أننا في هذا المجال، حقّقنا ما لم يعرفه لبنان منذ 40 عاماً".
أضاف: "أصحاب السعادة، قبل سنة وعشرة أيام، تسلمت دولة مثخنة. ومع التأكيد المُسبق، بأنني لست من هواة رمي المسؤوليات على مفاهيم غامضة، مثل تركة ثقيلة أو تراكمات متعاقبة. ولا أنا من الذين يتنصلون من واجب، عبر تحميله لغائب أو غيب أو مجهول. لكنّنا موضوعياً، تسلّمنا دولة خارجة من عشرين سنة من الفراغات، بفعل التطورات والأحداث الهائلة التي شهدناها، منذ استقلالنا الثاني، سنة 2005. فلمجرد التذكير، عرف لبنان منذ ذلك الحين، 62 شهراً وبضعة أيام، من الشغور الرئاسي. يضاف إليها نحو 45 شهراً من الشغور الحكومي المتراكم فوقها. فضلاً عن نحو 60 شهراً من التمديد النيابي... كل هذا في خلال 20 عاماً".
وأشار الرئيس عون إلى أن "وإذا ما أضفنا إلى تلك الجردة، واقع أن لبنان عاش إبان الفترة نفسها، حربين شاملتين، وسلسلة اضطرابات داخلية كبرى، فضلاً عن أزمات المحيط المستمرة، من فصول عاصفة لا ربيع حقيقياً فيها... يمكنكم أن تتخيلوا، أي حال لأي دولة تسلمتُ قبل سنة".
وأكّد: "منذ اللحظة الأولى، بادرت إلى تحمل المسؤولية وأدائها، على الرغم من كل شيء. وصدقوني حين أقول، على الرغم من كل شيء".
وقال الرئيس عون إنه "تقليد راق ومعبّر حيال جوهر العلاقات الدولية وأهدافها الإنسانية، أن نلتقي مطلع كل عام. فنتبادل التمنيات بأيام أفضل لشعوبنا وعالمنا. وتكون مناسبة لنؤكد جميعاً انتماءنا إلى قرية كونية واحدة متضامنة. يصيبنا كلّنا ما يُصيب بعضها".
وتابع: "وبناء على هذا الجوهر الإنساني للسياسة والدبلوماسية، أتوجه بالشكر الصادق، لأشخاصكم، ولبلدانكم وسلطاتكم وشعوبكم، على وجودكم هنا الآن. لا في مناسبة بروتوكولية، بل اعترافاً من العالم بلبنان، وطناً ودولة ورسالة ودوراً وضرورة، لمنطقته وللعالم".
وتوجّه الرئيس عون بالشكر قائلاً: "وإذ أخص بالشكر صاحب السيادة القاصد الرسولي، على الكلمات المعبرة التي تفضلتم بها، باسمكم، كما نيابة عن زملائكم أعضاء السلك الديبلوماسي، لا يمكنني إلا أن أكرر عبركم، شكري وشكر كل شعبي، لقداسة البابا لاوون الرابع عشر، على زيارته الاستثنائية للبنان، والتي كانت فعلاً، نافذة مفتوحة من السماء وعليها، لأيام ثلاثة من المحبة والإيمان والرجاء". غير أن مصادفات التاريخ أرادت أن تضيف بعداً آخر لمناسبتنا هذه. ألا وهو تزامنها القريب مع مضي عام أول على ولايتي الرئاسية، وبداية عامها الثاني. وهو ما يفرض علي أن أستعرض معكم سريعاً، وقائع سنة مضت، بخفاياها ومخاضاتها وما لم أعبر عنه طيلة أيامها".
وشدّد الرئيس عون على أنني "أختم هذه الجردة الداخلية بعنوان إعادة تكوين السلطات الشرعية. إذ أجرينا الانتخابات البلدية والاختيارية، للمرّة الأولى بعد تسعة أعوام على آخر استحقاق لها. ولم يكن قد مضى على تسلّم حكومتنا صلاحياتها الدستورية، أكثر من ثلاثة أشهر. وهو ما سنكرره مع الانتخابات النيابية منتصف هذه السنة. رغم كل الكلام والحملات المغايرة".
أضاف: "يبقى عنوان الإصلاحات. وهو ما تقدّمنا فيه خطوات جبارة. يكفي أن أذكر إقرار قانون استقلالية القضاء. وهو المشروع المنشود منذ عقود طويلة. ثم تكوين الهيئات الناظمة لقطاعات، وُضعت أنظمة بعضها قبل ربع قرن، وتُركت شاغرة. بما ترك هوامش الفساد والهدر والزبائنيات السياسية. وصولاً إلى الإصلاحات المالية والمصرفية. التي توجناها بسلسلة مشاريع قوانين لمعالجة تداعيات انهيار 2019. وهو ما تُرك طيلة ستة أعوام، من دون أي مواجهة جدية. مما أدى إلى تآكل الكثير من قدرات التعويض والاستنهاض. وهو ما لن نسمح باستمراره".
وتابع: "وقد أنجزنا هذه الإصلاحات، في ظل تحسن اقتصادي مطرد. فها هي أرقام المؤسسات الدولية تتحدث عن نمو سجله لبنان للسنة 2025، قد يكون من أعلى معدلات المنطقة. وعن ناتج وطني حقق قفزة كبيرة. وعن تدفقات مالية إلى لبنان، عادت لتلامس فورة ما قبل 15 سنة ... ومرة جديدة، ولأن الحقيقة هي ما ترون، لقد رأينا جميعاً لبنان يفيض بأهله وضيوفه طيلة الصيف ومواسم المهرجانات والأعياد. على الرغم من كل ما يحيط ببلدنا من أوضاع غير مستقرّة".
وتطرّبق الرئيس عون إلى الموضوع الخارجي، وقال: "على المستوى الخارجي، فلقد كان هدفي واضحاً معلناً: أن أعيد لبنان إلى مكانه وموقعه الطبيعيين، ضمن الشرعية العربية، كما الشرعية الدولية والأممية. وهذا ما دأبت على نسجه خطوة خطوة. عبر عشر زيارات لدول عربية شقيقة. وأربع لأخرى أوروبية صديقة. ومشاركة في ثلاث مناسبات دولية، عربية وإسلامية وأممية. كما استقبلنا رؤساء دول صديقة، وعشرات الوفود الدولية. وكانت ذروة هذا التضامن البهي الجلي مع لبنان، مع زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر.
وتابع الرئيس عون: "وإن ننسى، لن ننسى أبداً، حين وقف قداسته ههنا، عشية 30 تشرين الثاني الماضي، ليقول لكل لبنان الملتئم حوله، ولكل العالم المنصت إلى كلامه، وبصوت إيمانه الثابت العميق: "أنتم شعب لا يستسلم. بل يقف أمام الصّعاب ويعرف دائمًا أن يُولَد من جديد بشجاعة. صمودكم هو علامة مميّزة لا يمكن الاستغناء عنها لفاعلي السّلام الحقيقيّين".
أشار إلى أن "كلام اكتسب مع رسالة قداسته الأخيرة مطلع هذه السنة، بعداً أكبر لقضية لبنان ونضالنا نحن بالذات. إذ أكد قداسته أن السلام المطلوب لعالمنا اليوم، هو سلام مُجرّد من السلاح، ومجرِد من السلاح، داعياً كل الدول والمسؤولين، إلى أن ينزعوا السّلاح من القلب والعقل والحياة. وضمن التفكير الإنساني نفسه، وخلال المحطات الخارجية لزياراتي هذه السنة كافة، كانت رسالتي واحدة: لبنان وطنٌ منذور للسلام. فلا جغرافيته، ولا شعبه، ولا طبيعته، ولا فرادته، ولا أي شيء من مكوناته، يوحي بأنه بلد حروب واعتداءات وعدوانات وتهورات. نحن وطن يتنفس السلام. وإن لا يعرف الاستسلام. ولأننا كذلك، ندرك أن السلام الثابت والدائم، هو سلام العدالة. والعدالة تعني إيفاء الحقوق وتبادلها. وأول حق إنساني واجب الوجود، هو الحق في الحياة الحرة الآمنة والكريمة. وهذا ما نريده لوطننا، من جنوبنا إلى كل حدودنا".
وأكّد الرئيس عون أن "هذه عينة محدودة عن جردة عام مضى. حين أعود إليها، أحسبها عقداً أو أكثر. وحين أتطلع إلى الغد، أدرك ان لا يزال أمامنا الكثير. لكنني متأكّد متيقن حازم جازم، بأننا سنتابع الطريق، وسنكملها وسنصل إلى خواتيمها الخيرة لكل أهلنا وأرضنا. لا ينقص منهم إنسان. ولا يسقط منها شبر.
وختم قائلاً: "لذلك، إذ أختم بأن أكرر تمنياتي لأشخاصكم وحكوماتكم وشعوبكم، بكلّ الخير في السنة الجديدة، أعدكم، أننا السنة المقبلة، وفي تاريخ يوم قريب من تاريخ هذا اليوم، سنلتقي مُجدّداً هنا، وستكون جردة إنجازاتنا أطول، وسيكون وطني في ظروف أفضل، ويكون أهلي في خير أكثر وحياة أوفر. لأنّ حقّنا أعلى وأكبر".