الراعي من جزّين: كل شبر من لبنان هو مساحة حياة وانتماء

85

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في كنيسة مار مارون – جزّين، وبعد استقبالٍ شعبيّ وسياسيّ وأمنيّ له، قداسا عاونه فيه لفيف من المطارنة والكهنة، في حضور وزير الاتصالات شارل الحاج، ووزراء ونواب حاليين وسابقين وحشد من الفاعليات والمؤمنين.

بعد تلاوة الإنجيل المقدّس القى البطريرك الراعي عظة أبرز ما قال فيه: "أنا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم"، معتبرًا أنّ "هذا النص هو الوصيّة الأخيرة التي تركها المسيح لتلاميذه، وهي ليست مجرّد كلمات وداع، بل عهد حضور دائم، حضور حيّ وفعلي، حضور محبة وسلام، يرافق الكنيسة والإنسان في كل زمان ومكان".

وتوقّف عند مشهد عودة النازحين إلى قراهم، موضحًا أنّ "التأخير في الوصول إلى جزّين كان سببه هذا المشهد المؤثر، حيث الناس يعودون إلى بيوتهم المهدّمة، حاملين فرشهم على أكتافهم، عائدين إلى بيوتهم، إلى أرضهم". وقال إنّ "هذا المنظر يدمي القلب، لأنّ الإنسان يُجبر على العودة إلى الخراب، لكنه في الوقت عينه يفتح باب الرجاء، لأنّه يعبّر عن تعلّق الإنسان بأرضه، وعن إيمانه بأنّ الحياة أقوى من الدمار".

وشدّد على أنّ "كل شبر من لبنان هو مساحة حياة وانتماء، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش بعيدًا عن أرضه، لأنّها جزء من هويته ووجوده". وأكّد أنّ "السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية، لأنّ من دونه لا يمكن للإنسان أن يعيش بكرامة".

وتساءل: "لماذا الحرب؟ هل ربحت أي حرب شيئًا؟"، مؤكدًا أنّ "كل حرب هي خسارة، وأنّ الرابح فيها هو في الحقيقة خاسر، لأنّها تدمّر الإنسان قبل الحجر، وتزرع العداوة بدل المحبة". وقال إنّ "الحرب لا تصنع مستقبلًا، بل تهدم الحاضر وتسرق الغد"، داعيًا إلى "رفض منطق العنف والتمسّك بمنطق الحوار".

وأضاف أنّ "اللبنانيين تعبوا من الحروب، من القتل والدمار، ومن رؤية شبابهم يهاجرون، ويضيع تعب العمر سدى، لأنّ قنبلة واحدة قادرة على تدمير ما بُني في سنوات طويلة". واعتبر أنّ "الحرب ليست مرجلة، بل إنّ المرجلة الحقيقية هي في امتلاك العقل والحكمة، وفي القدرة على الحوار والتفاهم".

وأوضح أنّ "الله نفسه لم يتعامل مع الإنسان بالعنف، بل بالحوار، إذ كلمنا منذ القديم بأنواع وطرق شتى، وبلغ هذا الحوار كماله في يسوع المسيح، الذي جاء ليعلن المحبة لا العنف، والغفران لا الانتقام". و شدّد على أنّه "عيب علينا ألا نتفاوض، لأنّ الكرامة الحقيقية هي في الجلوس إلى طاولة الحوار من الند إلى الند، والبحث عن حلول تحفظ كرامة الجميع".

وأكد الراعي أنّ "لبنان هو بلد الشهادة، بلد الرسالة، وأنّ ما يميّزه هو هذا التنوع الذي يشكّل غنى لا ضعفًا"، قائلاً إنّ "اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، يشكّلون معًا لوحة فسيفساء جميلة، وهذا ما عبّر عنه البابا يوحنا بولس الثاني عندما وصف لبنان بأنّه "أكثر من وطن، إنّه رسالة".

وشدّد على أنّ "اللبناني لا يغلق بابه في وجه أخيه، بل يفتح قلبه وبيته، كما حصل مع النازحين الذين استُقبلوا في القرى والبلدات"، معتبرًا أنّ "هذه الروح هي التي تحفظ لبنان، وهي التي تعطيه معناه الحقيقي".

وأضاف أنّ "كل من يزور لبنان، من سفراء وأجانب، يشهد بجماله، ليس فقط بطبيعته، بل بشعبه، بثقافته، بديمقراطيته، وبتعدديته، مؤكّدًا أنّ هذا الجمال يجب أن يُحفظ ويُصان من خلال التمسّك بالسلام".

ودعا إلى" الصلاة كي تستمر الهدنة وتتحوّل إلى سلام دائم"، قائلاً إنّ "السلام هو عظمة الإنسان، بينما الحرب هي ضعف الإنسان". وأكد أنّ "البطل الحقيقي ليس من يخوض الحروب، بل من يبني السلام، ومن يعمل على جمع الناس لا تفريقهم".

وختم الراعي عظته برفع الصلاة إلى الله، طالبًا أن "يتقبّل هذه النية، وأن يفيض بنعمته على لبنان"، قائلاً: "نعدك يا رب أن نحمل محبتك وسلامك إلى بيوتنا ووطننا، وأن نستمد منك النور لننقله إلى العالم"، داعيًا الجميع إلى أن "يكونوا شهودًا لهذا السلام في حياتهم اليومية، ليبقى لبنان أرض رسالة، وأرض محبة، وأرض سلام".

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: