كتبت جومانا زغيب في صحيفة "نداء الوطن": تشهد الساحة السنيّة منذ الغياب الطوعي للرئيس سعد الحريري والذي يعتبره البعض غيابًا قسريًا في جانب منه، حالة من الفراغ على المستوى القيادي وحالة من الإرباك على المستوى السياسي، على الرغم من نجاح بعض الرموز والأسماء في إحداث خروقات نسبية محدودة أو محلية، لكن الأكيد أن الجمهور السني موزع بين نوازع الخيبة والإحباط وبين آمال حذرة بالخروج من حالة الفراغ السلبي.
ولا تعود أسباب الخيبة حصرًا إلى انكفاء الرئيس سعد الحريري فحسب، بل تعود أيضًا في جذورها وجانب كبير منها إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري منذ واحد وعشرين عامًا، ومعه اغتيال المشروع الذي مثله لقيادة لبنان إلى نهوض يتخطى مرحلة إعادة الإعمار، علمًا أن ما عرف بالسنيّة السياسية التي ورثت بشكل ما المارونية السياسية سقطت عمليًا كحضور متقدم مع استشهاد الحريري الأب.
فقد حاول الحريري الإبن ملء الفراغ الهائل، والتعويض ما أمكن عن دور والده ونفوذه الواسع، لكنه لم ينجح إلا جزئيًا، بل إن حضوره كزعيم للسنة وكرئيس للحكومة تآكل تدريجًا، على الرغم من استمرار شعبيته وحالة التعاطف معه. صحيح أن خطابه الحريص على السلم الأهلي والوحدة الوطنية كان خطابًا طيبًًا وعاقلًا، لكنه أتاح في الوقت عينه لـ "حزب الله" أن يتمادى في الاستقواء والتعطيل، بالتكافل والتضامن مح حليفه "التيار الوطني الحر" على قاعدة اتفاق مار مخايل، علمًا أن الرئيس الحريري اضطر في مرحلة ما إلى الخضوع للابتزاز والتورط في منطق المحاصصة والتغطية على بعض الصفقات، ما شكل سببًا أساسيًا من أسباب ابتعاد المملكة العربية السعودية عن دعمه، وتراجعها عن المساعدة السخية التي بلغت أربعة مليارات دولار للجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى بشكل أساسي، من دون الدخول في أسباب أخرى سعودية داخلية ومالية.
ولا يخفى بحسب معطيات عدة، أن محاولات غربية وعربية حصلت لإيصال قيادة سنية وازنة وبديلة للرئيس سعد الحريري، لكن هذه المحاولات لم تنجح، في وقت حافظ الرئيس الحريري على شعبية واسعة تتجلى خصوصًا في الحشد الشعبي السنوي الضخم في ذكرى اغتيال والده وبحضوره الشخصي. والملفت أن لا قرار حتى الآن لدى "تيار المستقبل" في خوض الانتخابات النيابية المقبلة لا مباشرة ولا ضمنًا، ولو أن معلومات أكدت وجود رغبة لدى السيدة بهية الحريري لترتيب صيغة معينة في دائرة صيدا جزين، وحركة في الشوف ولا سيما في إقليم الخروب لإيصال مرشح "مستقبلي" الهوى إلى النيابة، بينما تسود الساحة البيروتية حالة تنافس شديد بين خيارات عدة، وحتى داخل الصف السيادي بجانبه التقليدي وبجانبه التغييري، مع بروز شخصيات قريبة من "المستقبل" على خط موازٍ.
وإذا كان البعض يحاذر الخوض في بعض التفاصيل، فإنه يشعر أنه في الوسط بين التعاطف مع الرئيس الحريري والسعي لنيل رضى جمهوره، وبين الحرص على عدم إثارة حساسية معينة لدى المملكة. وهذا الواقع يتمثل خصوصًا في طرابلس والضنية وعكار، وهي المناطق التي تمثل الخزان السني الشعبي الرئيسي، وحيث تحتدم بوادر التنافس بين العديد من المرشحين، علمًا أن الاعتبارات المرتبطة بالوضع الاجتماعي والمعيشي لشرائح واسعة من أبناء هذه المناطق تشكل عاملًا مهمًا في بعض الخيارات.
على أن الملفت أن شعار لبنان أولًا وثوابت انتفاضة الاستقلال وما عرف بـ 14 آذار ما زالت راسخة في الوجدان السني على قاعدة لبنان الوطن النهائي. وصحيح أن السنة بعامة ارتاحوا وأسعدهم رحيل نظام الأسد الذي نكّل بالبيئة السنية وبرموزها في سوريا وفي لبنان على السواء، لكن الصحيح أيضًا أن ردود الفعل كانت في معظمها هادئة وتبتعد عن العنف والعشوائية، باستثناء قلة استحضرت شعارات الانتماء "الشامي" والحنين إلى مناخ وحدوي بين لبنان وسوريا، لكن هذا المنطق سرعان ما تراجع، من خلال تأكيد السنة عمومًا انتماءهم اللبناني وتمسكهم الثابت باتفاق الطائف وما يعنيه من شراكة ميثاقية. هذا الاتفاق الذي يحظى بمباركة سعودية ودعم صريح، انطلاقًا من توزيع السلطات والصلاحيات على الجميع بشكل عادل، وتكريس الشراكة المسيحية الإسلامية على قاعدة الانفتاح والاعتراف بالآخر، وهي القناعة التي تقود الخيارات الراهنة للمملكة العربية السعودية. وترى أوساط سنية سيادية، أن لا مطالب معينة لدى السنة باستثناء دعم عنوان سيادة الدولة، في وقت يلعب مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان دورًا نوعيًا في الحفاظ على الحضور الوطني للطائفة، والسعي الهادئ لمعالجة بعض القضايا النافرة التي تقلق البيئة السنية، مع الإشارة إلى أنه تلقائيًا يلعب دورًا مرجعيًا يساهم في صون الموقع السني، في ظل غياب قيادة سياسية بارزة حتى إشعار آخر.
ولعل أبرز الهموم يتمثل بملف الموقوفين الإسلاميين، والذي كان مدار بحث مفتوح وصريح بين رئيس الحكومة نواف سلام والمفتي دريان بحضور عدد من المشايخ، حيث أبدى سلام رغبة في معالجته، لكنها رغبة لا ترقى إلى مستوى الاستعجال. وقد بلغت دار الفتوى دعوات من قيادات سيادية وبينها مسيحية بارزة، إلى ضرورة حل هذه المسألة بما يحقق العدالة لمن لم يخضعوا للمحاكمة أو لمن قضوا في التوقيف ما يفوق أحيانا المدة المفترضة لحبسهم حيال ما سيق لهم من اتهامات، على أن يتم سريعًا إطلاق الأبرياء وبت ملفات الموقوفين الآخرين، ولو أن ثمة تحفظات حيال بعض القضاة لا بد من معالجتها.