كتب شارل جبور عبر صحيفة نداء الوطن:
يشهد لبنان، للمرّة الأولى منذ انتهاء الحرب اللبنانية، بل حتى منذ ما قبل "اتفاق القاهرة"، تقاطعًا موضوعيًا بين الدولة اللبنانية الرسمية وإسرائيل، على الرغم من موقع العداء القانوني القائم بين الدولتين. ولا يجوز التقليل من شأن هذا التطوّر وأهميّته، لأنه يعكس تحوّلًا عميقًا في تموضع الدولة اللبنانية حيال مسألة السلاح غير الشرعي، وتحديدًا سلاح "حزب اللّه"، ويعيد رسم حدود المواجهة الدائرة على أرضه.
ومن المعلوم أن اتفاق الطائف حسم مرجعية الدولة اللبنانية وحدها، من دون شريك، في بسط سيادتها بقواها الذاتية. وقد نصّ صراحة على حلّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية. إلّا أن التطبيق تعثر نتيجة انقلاب أسدي – خامنئي على الطائف، فاستُثني "حزب اللّه"، وهو أداة إيرانية، تحت ذريعة ما سُمّي "المقاومة".
وعلى الرغم من القرارات المهمّة التي كانت الحكومة قد اتخذتها في 5 آب الماضي لجهة نزع سلاح "حزب اللّه" وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، فإن ما صدر عن مجلس الوزراء في جلسته بتاريخ 2 آذار يفوقها أهمّية. فللمرّة الأولى يصنف لبنان الرسميّ "حزب اللّه" بهذا الوضوح تنظيمًا غير شرعي، ويدعو إلى حظر أنشطته العسكرية والأمنية، ويلزمه تسليم سلاحه، ويشدّد على منع استخدام الأراضي اللبنانية منطلقًا لأعمال عسكرية ضد أيّ جهة. وهذا الموقف يعني عمليًا حلّ جناحي "الحزب" العسكري والأمني، وأن أي نشاط مسلّح يقوم به يقع خارج الشرعية ولا يحظى بأيّ غطاء رسميّ.
لقد شكّلت الدولة اللبنانية، بعد الطائف، غطاءً رسميًا لـ "الحزب" بفعل مصادرة قرارها. وكانت، عند اندلاع أي مواجهة بينه وبين إسرائيل، تؤدي دور الوسيط، فتجري الاتصالات الدبلوماسية لوقف الضربات الإسرائيلية، فيما لم تكن المواجهة يومًا بينها وبين إسرائيل. وقد تعمّدت إسرائيل، في الحرب الأخيرة عندما بادر "الحزب" إلى "حرب الإسناد"، تحييد الدولة واللبنانيين، مركّزة استهدافها على "الحزب" وحده، باعتباره مصدر التهديد المباشر لأمنها.
وهنا تحديدًا يكمن التقاطع الموضوعي: إسرائيل تضرب تنظيمًا تعتبره الدولة اللبنانية غير قانوني ودعت إلى حلّ جناحيه، وأعلنت أنها لا تريد أن تكون أراضيها منصّة للاعتداء على أحد. لكلّ طرف حساباته الخاصة، بطبيعة الحال. فلبنان يسعى إلى تطبيق دستوره، واستعادة سيادته، وحصر السلاح بيد الجيش، فيما تسعى إسرائيل إلى منع أي اعتداء ينطلق من الأراضي اللبنانية ضدها. لكن النتيجة الواقعية واحدة: "الحزب" لم يعد يتمتع بغطاء رسميّ لأعماله العسكرية، وثمة تقاطع موضوعي بين الدولة اللبنانية وإسرائيل حياله.
ولم تكن الدولة تجرؤ، في المراحل السابقة، على توصيف "الحزب" تنظيمًا غير شرعي عسكريًا، وكانت المواجهة تُقدَّم دائمًا بوصفها مواجهة بين لبنان وإسرائيل، رغم أن قرار الحرب لم يكن بيد الدولة. حتى في زمن الوجود الفلسطيني المسلّح، حين استخدمت منظمات مسلّحة الأراضي اللبنانية خلافًا للدستور ولإرادة شرائح واسعة من اللبنانيين، كانت الملامة تقع على الدولة لعدم تصدّيها لإسرائيل، فيما لم تكن صاحبة قرار المواجهة ولا مسؤولة عن أعمال تلك التنظيمات.
وأما اليوم، فتقول الدولة صراحة إن قرار الحرب بيدها وحدها، وإن الجيش اللبناني لا يمكن أن يُزجّ في حرب فُرضت بإرادة خارجية. ويُنقل عن رئيس الجمهورية موقف واضح برفض إدخال الجيش في مواجهة يدفع ثمنها من دمائه في حرب افتعلتها أداة إيرانية تنفيذًا لقرار توسيع رقعة الاشتباك خدمةً للجبهة الإيرانية. وهذا الموقف يفصل بوضوح بين الدولة والتنظيم غير الشرعي، وبين الجيش وقرار الحرب غير الرسمي.
والأهم أن الدولة لم تكتفِ بالموقف الداخلي، بل وجّهت رسالة إلى المجتمع الدولي، ولا سيّما إلى إسرائيل والولايات المتحدة، تُبدي فيها استعدادها لاستئناف مفاوضات مباشرة مع تل أبيب برعاية دولية، لمعالجة النقاط العالقة وانسحاب إسرائيل من المواقع التي دخلتها. وهذا يعكس انتقالًا من منطق التفرّج على اشتباك تقوده طهران عبر أداتها في لبنان، إلى منطق التعاطي كدولة مع دولة، وفق قواعد القانون الدولي.
لقد دخل لبنان، مع قرار حظر الجناحين العسكري والأمني لـ "حزب اللّه"، مرحلة استراتيجية جديدة يجد فيها نفسه في تقاطع موضوعي مع إسرائيل التي تعمل على إزالة تهديد سلاح "الحزب" لأمنها. قد لا يكون هناك تنسيق، لكن ثمة تلاقٍ في النتيجة: الدولة اللبنانية تريد إزالة سلاح يهدّد أمن اللبنانيين، وإسرائيل تريد إزالة سلاح يهدّد أمن الإسرائيليين.
وأهمّية ما صدر عن مجلس الوزراء أنه لم يكتف بحلّ جناحي "حزب اللّه" العسكري والأمني، بل في "الاستعداد الكامل لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل بمشاركة مدنية ورعاية دولية"، أي إسقاط وضعية "الحزب" العسكرية، وإسقاط الحالة العدائية مع إسرائيل التي كانت تستغلّها الأداة الإيرانية لاستخدام الأراضي اللبنانية خلافًا لإرادة الدولة اللبنانية، وهذا ما يجعل تموضع الدولة اللبنانية في الاتجاه الصحيح، وهذا ما كان يجب أن يكون عليه الوضع أساسًا منذ العام 1967، لأن المواجهة لم تكن يومًا بين لبنان الرسمي وإسرائيل، بل بين إسرائيل وتنظيمات غير شرعية صادرت قرار الدولة اللبنانية.