كتب ألان سركيس في صحيفة نداء الوطن:
تحلّ ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري غدًا وسط تغيّرات جذريّة في المنطقة. الذكرى الماضية ترافقت مع سقوط نظام الأسد، أمّا هذا العام، فالجميع ينتظر ماذا سيحلّ بالنظام الإيرانيّ.
21 عامًا مرّت على زلزال 14 شباط. ذاك الحدث الذي قلب خريطة المنطقة وساهم بشكل كبير في إخراج جيش الاحتلال السوري من لبنان. وبعد 21 عامًا، يكتمل قلب المشهد، فمن خطّط وشارك ونفذ عملية الاغتيال يدفع الثمن الأكبر في وقتنا هذا.
واستنادًا إلى قرارات المحكمة الدولية، المتهم الأساسي في التنفيذ هو "حزب اللّه"، لكن المحكمة حاكمت أفرادًا مثل سليم عيّاش ولم تذهب إلى حدّ محاكمة أحزاب ودول، لكن "الحزب" لا يستطيع القيام بعملية كهذه من دون التنسيق مع إيران ونظام الأسد.
أحدث اغتيال الحريري الزلزال الأكبر في المنطقة. زاد نار الصّراع السني – الشيعي، وانقسمت المنطقة بين محور الاعتدال العربي الذي طالب بالحقيقة ومحاسبة قتلة الرئيس الحريري، وبين محور الممانعة الذي حاول عرقلة عمل المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان.
وبعد 21 عامًا على الحادثة الكبرى، ها هو الشرق الأوسط وليس لبنان فقط، يُرسم من جديد. سوريا تحرّرت وباتت من دون النظام الذي حكم لبنان وسوريا معًا بالحديد والنار، ومنع إعادة إعمار البلد وكرّس نظام الفساد. النظام الإيراني يواجه خطر توجيه ضربة أميركية، وهو يعرف أن قبوله بالشروط الأميركية في المفاوضات قد تكون أصعب من نتائج أي ضربة خصوصًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يفرض شروطًا قاسية. الأذرع الإيرانية في المنطقة تُضرب ولم يعد لديها أيّ مقوّمات الاستمرار، ويريد ترامب إنهاء تلك الأذرع وإلّا قد تنهى بحرب جديدة.
ولا يعتبر لبنان جزيرة معزولة عن تطوّرات المنطقة. حرب "الإسناد" التي دخلها "حزب اللّه" من دون استشارة الدولة اللبنانية، أدّت إلى اغتيال أمينه العام السيّد حسن نصراللّه وسبّبت ضررًا بنيويًا في بنية "الحزب" العسكرية، وأدّت إلى مقتل قيادات الصّفين الأوّل والثاني في "الحزب" ومن بينهم عيّاش المسؤول عن اغتيال الحريري، حسب قرار المحكمة الدوليّة. ومن جهة ثانية، الجنوب مدمّر وهناك قرى بأكملها هُجّرت ومحيت عن الخريطة ولا يمكن الشروع بعملية الإعمار، طالما لا حصر للسلاح والحرب مستمرّة والغارات الإسرائيلية لا تتوقف.
يحتاج قرار إعادة الإعمار إلى رفع الفيتو الأميركي والإسرائيلي عن هذا الأمر ووجود أموال، وهما أمران غير متاحين، ولو كان الرئيس الحريري موجودًا لكانت الأمور أسهل بكثير. الحريري هو من شرّع "حزب اللّه" دوليًا عبر "اتفاقية نيسان"، وأوجد له حاضنة أو شرعية دولية، واستعمل علاقاته من أجل حماية الجنوب وأهل الجنوب. ولو كان موجودًا في هذه المرحلة ولو لم يقدم "حزب اللّه" على اغتياله استنادًا إلى قرار المحكمة الدولية، لكان استعمل علاقاته الدولية من أجل وقف الحرب أولًا وتأمين عودة الجنوبيين إلى قراهم، والأهم من هذا كلّه كان كثف اتصالاته من أجل عقد مؤتمر دوليّ لإعادة الإعمار، لا يمكن للإعمار أن يتمّ بلا أموال والدولة اللبنانية شبه مفلسة في هذه المرحلة.
لا يمكن اختصار الأدوار التي كان بإمكان الرئيس الشهيد أن يؤدّيها، لكن سياسة الممانعة وإيران بالتحديد كانت فَتْح لبنان أمام المدّ الإيراني والسيطرة على البلد، فبوجود شخصية عالمية مثل الحريري لم يكن بالإمكان فعل شيء، فأتى اغتيال الحريري ودخلت إيران لبنان من البوّابة العريضة بعد سقوط دمشق وبغداد في يدها، وإذا كانت هذه المرحلة حقبة سوداء في تاريخ لبنان والمنطقة، إلّا أن ما هو قادم على المنطقة أفضل بكثير، فمشروع السلام الذي كان يريده الحريري يتحقق، وسوريا تحرّرت وشمس الإمبراطورية الفارسية إلى أفول، وبالتالي لبنان سيتحرّر ودم الحريري لم يذهب هدرًا ولو بعد 21 سنة.