أشار متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة الى أن الكنيسة لا تفصل بين المذبح والشارع، والصوم لا يبدأ بالإمتناع عن الطعام فقط، بل بالإمتناع عن الكبرياء وإدانة الآخر، وبالإنفتاح الصادق على المحتاج.
ترأس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "في هذا الأحد المسمى أحد مرفع اللحم أو أحد الدينونة، نرفع اللحوم عن موائدنا تهيئة للصوم الأربعيني المقدس، والأحد القادم نرفع كل مشتقات الحليب لنبدأ رحلة الصيام الكبير الذي نتهيأ خلاله، جسدا وروحا، للإحتفال بالقيامة المجيدة. فبعدما تعلمنا مساوئ الكبرياء وأهمية التواضع مع الفريسي والعشار، وجمال التوبة مع الإبن الضال، يقرأ على مسامعنا اليوم إنجيل الدينونة الذي يفصل فيه المسيح، الديان العادل الجالس على عرش القضاء، بين الخراف الذين دعاهم إلى ملك أبيه، والجداء الذين أسقطتهم أفعالهم ونالوا الدينونة الرهيبة. إنه أحد أكثر النصوص رهبة، لأنه لا يترك مجالا للبس، ولا يسمح للإنسان بأن يتعلل بأعذار دينية أو ممارسات شكلية. اليوم، تكشف لنا الكنيسة، كأم روحية حكيمة، معيار الملكوت بوضوح، وتضع أمام أعيننا وجه المسيح الديان الذي هو نفسه وجه المسيح المخلص، المتألم في إخوتنا الصغار".
أضاف: "في أحد الدينونة يوجه إلينا الإنجيل، نحن مسيحيي اليوم، دعوة صريحة إلى مراجعة إيماننا. ففي عالم يسوده العنف والظلم والأنانية والإنعزال، لا يكفي أن نتمسك بإيمان نظري أو طقسي. فالكنيسة لا تفصل بين العبادة والحياة، ولا بين المذبح والشارع. من هنا، فإن الصوم الكبير، الذي نتهيأ لدخوله، لا يبدأ بالإمتناع عن الطعام فقط، بل بالإمتناع عن القساوة، واللامبالاة، والكبرياء، والحسد، وإدانة الآخر، والإنفتاح الصادق على المحتاج. الدينونة التي يعلنها المسيح ليست دينونة انتقام، بل دينونة حق. إنها لحظة كشف، يظهر فيها إن كان الإيمان مجرد كلام أو تحول إلى محبة. والمسيح الذي سيأتي في مجده، هو نفسه المسيح الذي يقف اليوم على أبواب قلوبنا في صورة الجائع والغريب والمريض. من يفتح له اليوم لن يخاف لقاءه غداً".
أضاف: "يا أحبة، على كل مسيحي أن يعي، فيما نحن على أبواب الصوم، أن لا صوم بمعزل عن محبة القريب، ولا محبة حقيقية إن لم تنسكب على المريض والضعيف والمتألم والمحتاج والمظلوم رحمة وعطفا وحنانا وعطاء. كلمات يسوع في إنجيل الدينونة دعوة صريحة لكل الأغنياء العميان عن حاجة الآخرين، ولكل سلطة تتناسى قضية الفقراء الذين يفتقرون إلى لقمة العيش أو إلى سقف، أو الذين تنهار على رؤوسهم أسقف منازلهم. إنها دينونة للحكام اللاهين بأنفسهم، الذين لا يقيمون وزنا إلا لمصالحهم ويتغاضون عن آلام شعوبهم، وعن الضعفاء والمتألمين، كما أنها دينونة لكل من لم يدرك أن يسوع لا يقيم في القصور ولا يعتبر المال والمكانة مقياسا للعظمة، بل هو مقيم في وجه كل محتاج وفي قلب كل مستضعف".
وختم: "فلنصغ إلى صوت الكنيسة، ولنسمح لهذا الإنجيل أن يهز ضمائرنا، لا لكي نيأس، بل لكي نتوب. ولنطلب إلى الرب أن يمنحنا قلبا رحيما، يرى حضوره في كل إنسان محتاج إلى محبتنا، لكيما إذا أتى ابن الإنسان في مجده، نكون من الذين سمعوا ذلك الصوت المملوء نعمة: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم".