عقدت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي مؤتمرا صحافيا في الوزارة، في حضور المدير العام للتربية فادي يرق، المدير العام للتعليم العالي مازن الخطيب، رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء هيام إسحق ، مدير التعليم الأساسي جورج داوود، مدير التعليم الثانوي خالد فايد، المستشار القانوني الخاص فهمي كرامي، المستشار الإعلامي ألبير شمعون، المستشارة الإعلامية مهى ضاهر، وفريق عمل مكتب كرامي وجمع من الإعلاميين.
وقالت كرامي في بيان المؤتمر:
"أرحّب بدايةً بوسائل الإعلام والإعلاميات والإعلاميين الحاضرين، وأشكركم على حضوركم واهتمامكم في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها وطننا.
واسمحوا لي أولاً أن أتوجّه بتحية إجلال إلى أرواح التربويين الذين سقطوا ضحية العدوان الهمجي على بلدنا، وإلى أرواح الأطفال والطلاب الأبرياء، وإلى كل عائلة اختبرت مرارة الفقد، وإلى كل تربوي يقف اليوم في الميدان ويواصل أداء رسالته وسط هذا الكم من القلق والخوف والألم.
أدرك تماماً أن الأسئلة كثيرة والهواجس أكبر، وقد لمسنا ذلك بوضوح خلال الأيام الماضية من خلال عشرات الطلبات الإعلامية التي تلقّيناها لمعرفة ما تقوم به وزارة التربية وما تخطّط له في هذه المرحلة.
لكن الحقيقة أن الوقت في الأيام الأولى لم يكن للكلام، بل للتخطيط والعمل.
فوزارة التربية وجدت نفسها في صلب هذه الأزمة منذ اللحظة الأولى. وبين ليلة وضحاها تحوّلت مدارسنا وثانوياتنا ومعاهدنا الرسمية، إضافة إلى الجامعة اللبنانية، إلى ملجأ لآلاف العائلات التي اضطرت إلى النزوح هرباً من الاعتداءات الوحشية. وكان لزاماً علينا أن نتعامل مع هذا الواقع بسرعة ومسؤولية، وأن نضع حماية الناس واستقبالهم في مقدمة الأولويات.
ولهذا سارعت وزارة التربية إلى وضع ألف ومئة وست وخمسين مدرسة وثانوية و75 معهداً رسمياً بتصرّف وزارة الشؤون الاجتماعية والهيئة الوطنية لإدارة الكوارث لاستخدامها كمراكز إيواء للعائلات النازحة.
واليوم، تحوّلت المدرسة الرسمية مرة جديدة إلى مساحة حماية للمجتمع. فحتى هذه اللحظة، تستضيف 334 مدرسة وثانوية رسمية و40 معهداً للتعليم المهني والتقني و17 مركزاً تابعاً للجامعة اللبنانية عائلات نازحة، حيث تستقبل هذه المؤسسات مجتمعة أكثر من ثمانين ألف نازح.
وفي الوقت نفسه، كرّست الوزارة طواقمها الإدارية والتربوية من مدراء ونظّار وفرق عمل لإدارة هذه المراكز بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية وسائر شركائنا من الجهات المعنية.
ومن هنا أتوجّه بأسمى كلمات الشكر والتقدير إلى مديري المدارس والثانويات والمعاهد الرسمية وإلى فرق العمل فيها، الذين يتحمّلون مسؤوليات إضافية في ظروف صعبة ويثبتون مرة جديدة أن المؤسسة التربوية الرسمية ليست فقط مؤسسة تعليمية، بل ركيزة أساسية من ركائز التضامن المجتمعي في لبنان. وتحية خاصة اليوم إلى مديرات ومدراء بيروت، مدينة القلب، التي تستقبل العدد الأكبر من أهلنا النازحين".
أضافت: "في ضوء هذه الظروف الاستثنائية، كان لا بد من اتخاذ قرار يهدف إلى ضمان استمرارية التعليم قدر الإمكان مع الحفاظ على سلامة الطلاب والأساتذة.
فالوزارة تدرك جيداً أن أوضاع التلامذة اليوم ليست متشابهة.
فهناك تلامذة نزحوا وفقدوا استقرارهم المؤقت.
وهناك تلامذة بقوا في مناطقهم لكنهم يواجهون آثار الحرب النفسية والاجتماعية.
وهناك تلامذة ما زالوا قادرين على متابعة تعليمهم في مناطق أكثر استقراراً.
كما أن هناك عدد من التلامذة يتابعون برامج تعليمية أجنبية ترتبط باستحقاقات أكاديمية ومواعيد امتحانات دولية لا يمكن تعديلها محلياً.
علماً أن الفترة المتبقية من السنة الدراسية، بعد احتساب العطل الرسمية وعطل نهاية الأسبوع، لا تتجاوز أربعين يوماً فعلياً من التعلم".
وتابعت: "وفي هذا السياق، تشير النتائج الأولية لاستبيان تقصّي مدى إنجاز منهاج الصف الثالث الثانوي، الذي نُفّذ بدعم من المركز التربوي للبحوث والإنماء، إلى مؤشرات مشجّعة. إذ تُظهر النتائج أن مستوى التغطية متقارب بين مختلف المناطق، بما في ذلك مناطق الجنوب التي كانت تمرّ بظروف صعبة حتى قبل هذا العدوان، كما أن مستوى التغطية بين المدارس الرسمية والخاصة متقارب إلى حد كبير.
وانطلاقاً من هذا الواقع، صدر قبل يومين قرار وزارة التربية حول آلية استئناف ما تبقى من العام الدراسي، ومن خلاله تؤكد وزارة التربية أن الإنصاف التربوي لا يتحقق بالمقاربة الواحدة للجميع، بل بالاستجابة لاختلاف الظروف والاحتياجات، وباعتماد إجراءات مرنة تسمح لكل مؤسسة تعليمية باتخاذ القرار الأنسب وفق واقعها.
فقد طُلب في القرار إلى المدارس والثانويات والمعاهد الخاصة تقييم أوضاعها الأمنية بصورة مستمرة، واعتماد النمط التعليمي الأنسب لواقعها، سواء كان تعليماً حضورياً أو تعليماً عن بعد أو تعليماً مدمجاً، وذلك بعد التشاور مع الأهالي ومراعاة أوضاع الطلاب الذين يتعذر عليهم الحضور.
أما بالنسبة إلى المدارس والثانويات والمعاهد الرسمية، فقد جرى اعتماد مقاربة مختلفة نظراً للظروف التي تمر بها هذه المؤسسات، إذ إن عدداً كبيراً منها يستخدم اليوم كمراكز إيواء.
ولهذا تقرر اعتماد التعليم عن بعد في المدارس الرسمية كمرحلة أولى خلال الأسابيع القادمة، التي سيتخللها عطلة للأعياد وسيُخصص الأسبوع الحالي للتحضير التقني والتنظيمي لضمان جهوزية المعلمين والطلاب، على أن تبدأ الحصص التعليمية عن بعد ابتداءً من بداية الأسبوع المقبل، مع متابعة الأوضاع بشكل يومي.
اذاً تم التمييز بين فئتين من المؤسسات:
مؤسسات لا يزال طلابها وهيئاتها التعليمية في مناطقهم، وسيجري فيها الانتقال التدريجي إلى التعليم عن بعد.
ومؤسسات تقع في مناطق شهدت نزوحاً واسعاً، حيث يتعذر حالياً انتظام التعليم. فتم التأكيد على أن تبقى هذه المدارس المرجعية التربوية لطلابها، مع متابعة أوضاعهم والعمل على تعويض ما فاتهم من تعلم عندما تسمح الظروف. كما سيتم إيلاء عناية خاصة للتلامذة الموجودين في مراكز الإيواء لضمان استمرار ارتباطهم بالتعلم وتأمين الدعم التربوي والنفسي المناسب لهم خلال هذه المرحلة.
وكما كان متوقعاً، فقد انقسمت الآراء حول هذا القرار، ولا سيما حول مسألة العدالة في التعليم. لكن مقاربة وزارة التربية واضحة.
فالإنصاف في هذه الظروف لا يعني أن يتوقف التعليم عن الجميع، بل أن نتيح للطلاب الذين يستطيعون متابعة تعلمهم أن يستمروا بأفضل الطرق المتوفرة، وهم يشكّلون النسبة الأكبر، مع العمل في الوقت نفسه على دعم ومواكبة الطلاب الذين تعذر عليهم التعلم في هذه المرحلة.
وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية، قد لا يكون المنهج أو الامتحان هو الهدف الأول.
الهدف الأول هو الحفاظ على صلة أولادنا بالمدرسة.
فالمدرسة ليست فقط مكاناً للتعلم الأكاديمي، بل هي أيضاً مساحة أساسية للدعم النفسي والاجتماعي تساعد الأطفال على استعادة جزء من حياتهم الطبيعية وروتينهم اليومي.
وحين تصمد المدرسة، يصمد المجتمع.
ولتحقيق هذا الصمود تعمل الوزارة على ضمان استمرارية التعلم قدر الإمكان ضمن الإمكانيات المتاحة.
ولهذا تم تشكيل خلية أزمة تربوية تضم المدير العام للتربية، والمديرة العامة للتعليم المهني والتقني، ورئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء، والمدير العام للتعليم العالي، إضافة إلى ممثلين عن المديريات المعنية في الوزارة. وتجتمع هذه الخلية بصورة يومية لمتابعة المستجدات واتخاذ القرارات اللازمة لإدارة هذه المرحلة.
كما عقدت الوزارة اجتماعا تنسيقيا مع المجموعة التربوية المحلية وممثلي الشركاء الدوليين (Local Education Group) التي تضم مختلف الجهات الشريكة والفاعلة في قطاع التعليم، وطلبت من هذه الجهات توجيه الموارد المتوافرة لديها لدعم الجهود الوطنية الرامية إلى ضمان استمرارية التعلم للتلامذة في مختلف المناطق.
ندرك أن تجربتنا السابقة مع التعليم عن بعد لم تكن بالمستوى الذي نطمح إليه. لكن هذا العام، وبالاستفادة من دروس التجارب السابقة، عملنا على تحسين آلية تدخلنا قدر الإمكان وتقليص العقبات التي واجهت التعليم الإلكتروني.
ولهذا قامت الوزارة بإنشاء حسابات رقمية لجميع الطلاب والمعلمين على منصة Microsoft Teams ، إضافة إلى إعداد الصفوف الافتراضية وتنظيمها بحسب المدارس والمواد التعليمية بما يسمح بمتابعة الدروس بصورة منظمة.
كما عملت الوزارة بالتنسيق مع وزارة الاتصالات على إدراج منصتي Microsoft Teams ومنصة مدرستي ضمن خدمة الاستخدام المجاني للإنترنت، بما يتيح للطلاب والمعلمين في مختلف المناطق اللبنانية استخدام هاتين المنصتين من دون أي كلفة على الإنترنت.
كما تعمل الوزارة، بدعم من المركز التربوي للبحوث والإنماء، على إعداد سلسلة من المساقات التعليمية الرقمية القصيرة للمعلمين حول مواضيع مرتبطة بالتعليم الرقمي واستخدام الأدوات التكنولوجية في التدريس.
وفي الوقت نفسه، وبفضل دعم شركائنا من الجهات المانحة، ولا سيما اليونيسف وشركاءنا في TREFواليونسكو، تعمل الوزارة على توفير الموارد التعليمية الرقمية والمواد التعليمية المطبوعة التي سيتم وضعها بتصرّف الطلاب والمعلمين في مختلف المناطق.
كما أود التأكيد أن الموارد التعليمية التي تضعها الوزارة مع المركز التربوي للبحوث والإنماء اليوم بتصرّف المعلمين والطلاب هي موارد مفتوحة ومتاحة للجميع، سواء في المدارس الرسمية أو الخاصة.
وفي إدارة هذه المرحلة، تعتمد الوزارة أيضاً على اتخاذ القرار المبني على البيانات، حيث يتم جمع المعلومات بصورة مستمرة حول أوضاع التلامذة وأماكن وجودهم في مراكز الإيواء والمناطق المتأثرة.
ويؤدي اختصاصيو المكننة (SIMS operators) دوراً محورياً في جمع هذه البيانات وتحديثها، فتحية خاصة لهم،
وقد عقدت الوزارة اجتماعاً اليوم معهم لتزويدهم بالإرشادات اللازمة وتعزيز متابعة أوضاع التلامذة في هذه المرحلة.
وفي الختام، أود التأكيد أن هدفنا في هذه المرحلة واضح:
أن نحمي طلابنا، وأن نحافظ على استمرارية التعليم، وأن تبقى المدرسة والمؤسسة التربوية حاضرة في حياة جميع طلابنا مهما اشتدت الظروف.
كما تؤكد الوزارة أنها تعمل على دراسة الحلول للحفاظ على حقوق الأساتذة، ولا سيما المتعاقدين والمستخدمين واختصاصيي المكننة، خلال هذه الأزمة.
فالتربية في لبنان لم تكن يوماً مجرد مباني وتقنيات، بل كانت دائماً مساحة لصناعة الأمل وفتح آفاق للتأسيس لمستقبل أفضل.
وواجبنا اليوم جميعاً، والتزامنا كوزارة تربية، أن نحافظ على هذا الأمل حيّاً.
بعد ذلك فتح المجال للإعلاميين فطرحوا أسئلة تناولت مختلف محاور المؤتمر، واجابت الوزيرة عنها كلها".