لبنان بين الأيديولوجيا... فشل الدولة وخيار الفدرالية

leb

كتب طوني أبي سمرا:

 يقف لبنان اليوم أمام لحظة تاريخية حاسمة، تتجاوز كونها أزمة سياسية عابرة، لتغدو أزمة وجودية بكل ما للكلمة من معنى. لم يعد ما يمر به البلد مجرد تعثر في إدارة الحكم أو خلافات ظرفية بين القوى السياسية، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية تضرب أسس الكيان نفسه. نحن اليوم أمام مفترق طرق واضح: إما الانزلاق نحو صراع أيديولوجي ديني مفتوح، أو الانتقال إلى مقاربة واقعية تُعيد بناء النظام على أسس جديدة.

صراع سرديات لا مجرد صراع سلاح

تكمن خطورة الوضع الراهن ليس فقط في انتشار السلاح أو تصاعد التوترات الأمنية، بل في طبيعة الصراع نفسه. لم يعد الخلاف سياسيًا تقليديًا حول السلطة أو المصالح، بل تحوّل إلى صراع روايات وهويات وسرديات متناقضة، بل وحتى إلى صراع ديني عقائدي.

عندما تدخل العقيدة والدين واسم الله إلى صلب القرار السياسي، يفقد هذا القرار طابعه العقلاني. يصبح كل طرف مقتنعًا بأنه لا يدافع فقط عن مصلحة، بل عن "حق إلهي"، ما يُسقط منطق التسوية ويحوّل السياسة إلى مواجهة مفتوحة قائمة على الفكر المطلق (Absolutism). والنتيجة الحتمية لذلك هي تصعيد دائم، وانقسام أعمق، وخطر انفجار شامل يصل إلى حد انهيار الكيان.

فشل النظام اللبناني

منذ نشأته عام 1926، صُمّم النظام اللبناني لإدارة التعددية، لكنه فشل مع مرور الزمن في تحقيق هذا الهدف. لم يتمكن من احتواء الانقسامات الطائفية العميقة، ولا من فرض احتكار الدولة للسلاح، ولا من بناء رواية وطنية موحّدة، ولا حتى من حماية القرار الوطني من التدخلات الخارجية.

بدلاً من ذلك، سمح بقيام سلطات موازية، وكرّس واقع الانقسام، حيث بات لكل مكوّن روايته الخاصة، وأبطاله، وقراءته للتاريخ. وهكذا، لم يعد هناك إطار جامع فعلي يُنظم هذا التنوّع، بل واقع مفكّك تعيش فيه جماعات متجاورة أكثر مما تعيش ضمن دولة واحدة.

وهم القومية اللبنانية

على مدى عقود، طُرحت "القومية اللبنانية" كحل يتجاوز الطوائف والانقسامات. لكن بعد قرن تقريبًا، يتبيّن أن هذا المشروع لم يتحقق فعليًا. فلا يوجد كتاب تاريخ موحّد متفق عليه، ولا تعريف مشترك للعدو والصديق، ولا رموز وطنية جامعة لكل اللبنانيين.

ما يعتبره طرف بطولة، يراه طرف آخر خيانة. وما يُعدّ تضحية لدى فئة، يُنظر إليه كتهديد لدى فئة أخرى. بذلك، بقيت القومية اللبنانية فكرة نظرية أكثر منها واقعًا معاشًا.

بين العقلانية والأيديولوجيا

في جوهر الأزمة اللبنانية يكمن صراع عميق بين نمطين من التفكير: الأول هو العقلانية السياسية، القائمة على المصالح، والتوازن، والتفاوض، والبحث عن حلول وسط. أما الثاني فهو الأيديولوجيا العقائدية، القائمة على الفكر المطلق، والدين، والانفعال، والاعتقاد بامتلاك "الحقيقة" أو "الحق الإلهي".

عندما تهيمن الأيديولوجيا، يصبح التنازل مستحيلًا، وتُفسَّر التسوية على أنها ضعف أو خيانة. والأخطر أن هذا النهج لا يبقى محصورًا بطرف واحد، بل يدفع باقي الأطراف إلى اعتماد المنطق نفسه، ما يخلق حلقة تصعيد متبادلة لا تنتهي.

الفدرالية كحل بنيوي

في ظل هذا الواقع، تبرز الفدرالية كخيار بنيوي، لا كطرح تقسيمي، بل كآلية لتنظيم التعددية وإدارتها. فهي تهدف إلى تمكين كل مكوّن من إدارة شؤونه الثقافية والاجتماعية والأمنية، وتخفيف الصراع على السلطة المركزية، والحفاظ على العيش المشترك، وعلى الأرض والديموغرافيا والثقافة الخاصة بالمكوّنات الأربعة الأساسية، مع الاعتراف بالاختلاف. كما تفتح الفدرالية المجال لبناء عقد اجتماعي جديد قائم على الواقعية، لا على الإنكار أو إلغاء الآخر.

ومن المهم التأكيد أن الفدرالية في الحالة اللبنانية لا يمكن أن تكون جغرافية بحتة، بل تميل إلى صيغة "مجتمعية/طائفية" بحكم التداخل الديموغرافي.

من الأزمة إلى القرار

لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في المسار الأيديولوجي الديني، وما قد يقود إليه من صدامات مفتوحة وانهيار تدريجي للكيان، أو الانتقال إلى نظام جديد يعيد تنظيم العلاقة بين مكوّناته، بدءًا بالفدرالية، وصولًا، في حال فشلها، إلى خيارات أكثر جذرية كـالكونفدرالية أو حتى التقسيم.

هذه ليست سيناريوات نظرية، بل احتمالات واقعية بدأت تفرض نفسها بفعل الانسداد السياسي المستمر.

مشروع لا زعامة

من العناصر الأساسية في طرح الجبهة الفدرالية هو الابتعاد عن منطق الزعامات الفردية، والانتقال إلى منطق المشروع. فـ "الجبهة الفدرالية" تطرح نفسها كإطار جامع لأفراد ومجموعات تؤمن بضرورة تغيير النظام المركزي، وتعمل على فتح نقاش ديمقراطي وتطوير الأفكار بشكل جماعي.

الهدف ليس فرض رؤية جاهزة، بل بناء توافق وطني تدريجي حول نظام جديد يعكس الواقع اللبناني بدل أن يتجاهله.

الأسئلة الحاسمة

لم يعد السؤال اليوم: كيف نُصلح النظام الحالي؟

بل أصبح: هل هذا النظام قابل للإصلاح أساسًا؟

هل يمكن لمجتمع متعدّد وعميق الانقسام أن يستمر ضمن نظام مركزي أثبت فشله؟

أم أن الحل يكمن في نظام يعترف بالاختلاف وينظمه بدل أن يقمعه؟

في النهاية، الخيار واضح: إما أن نبتكر نظامًا جديدًا واقعيًا يستجيب لتعقيدات المجتمع اللبناني أو نخسر كل شيء.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: