ما الذي يزعج الشيخ نعيم فعلًا؟

naim-kassem-1-rac5r51xxgd269nxeoci96xm5gwj0yhlvqmzi6r7ds

كتب شارل جبور في صحيفة نداء الوطن:

لا يمكن مقاربة موقف الشيخ نعيم قاسم و "حزب الله" من مسألة السلاح بمنطق التبسيط أو الاستخفاف بالعقل السياسي لـ "الحزب". فالتعامل معه على قاعدة أنه لا يقرأ التحوّلات الإقليمية، أو أنه جاهل بالمعادلات الجيوسياسية المستجدة، هو خطأ في التقدير. "حزب الله" يرى كل ما يجري، ويدرك بدقة حجم الانكسارات والتحوّلات التي أصابت محوره، كما يعلم أن لبنان والمنطقة دخلا مرحلة جديدة لا تشبه ما قبل 7 تشرين الأول 2023، ولا يمكن أن تعود إليها.

"الحزب" يرى بوضوح: الانهيار العسكري لمنظومة الردع التي كان يفاخر بها، التفوق الإسرائيلي الكاسح، سقوط نظام الأسد كرافعة استراتيجية، انقطاع المعبر البري والجوي والبحري مع طهران، خروج "حماس" من المعادلة العسكرية الإقليمية، والانتفاضة الشعبية داخل إيران نفسها. وهو يعلم أيضًا أن ما كان ممكنًا قبل سنوات بات اليوم مستحيلًا، بل من رابع المستحيلات.

من هنا يطرح السؤال الجوهري: إذا كان "حزب الله" يدرك أن العودة إلى ما قبل 7 تشرين الأول 2023 غير ممكنة، فلماذا يصرّ على التمسك بسلاح بات من الماضي؟ ولماذا يواصل خطاب التهديد والوعيد وهو يعلم أن ميزان القوى انقلب نهائيًا؟

الجواب الأول يكمن في رهانه التقليدي على عامل الوقت. "حزب الله" يناور كعادته، يشتري الوقت، ويؤجل الاستحقاق، على أمل أن تتبدل الظروف أو تتغير القيادات. يراهن على سقوط نتنياهو، أو تغيّر الإدارة الأميركية، أو تبدّل أولويات إسرائيل. لكنه يتجاهل حقيقة أساسية: ما أنجزته إسرائيل في هذه المرحلة تحوّل إلى استراتيجية ثابتة لا إلى خيار ظرفي. إسرائيل لن تقبل بعد اليوم بوجود جيوب مسلحة على حدودها، ولن تعود إلى سياسة "المساكنة القسرية" التي سادت لعقود وسنوات. ما قُطع لا يمكن وصله مجددًا.

لكن ما يزعج الشيخ نعيم وحزبه أكثر من أي تحول إقليمي، هو التحول الداخلي اللبناني. ما يزعجه فعلًا أن الأصوات اللبنانية الرسمية لم تعد تسايره، ولا تبحث معه عن مخارج وسطية.

عندما يهاجم كل من يطالب بحصر السلاح ويصفه بالإسرائيلي، فهو عمليًا يتحدى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. فالرئيس قال بوضوح، في الذكرى الأولى لانتخابه، إن حصر السلاح مطلب لبناني ودستوري. ورئيس الحكومة، ومعه قوى سياسية لبنانية وازنة، يطالبون بتطبيق الدستور من دون مقايضات ومن دون أثمان.

هذا تحديدًا ما يزعج "حزب الله": أن لا أحد يتحدث اليوم عن "مقابل" لسلاحه، ولا أحد يعرض ضمانات، ولا أحد يقبل بمنطق المقايضة. "الحزب" يريد أن يُسيَّل سلاحه، وأن يُقايَض، وأن يُكافأ على التخلي عنه. لكنه يصطدم بحقيقة جديدة: الدولة اللبنانية، ومعها المجتمع الدولي، لا تريد إعطاء أي شيء في مقابل تطبيق الدستور.

من هنا يعلو صراخه، ويشتد تهديده، ويكرر معادلة "إما السلاح أو الفوضى"، و"إما نحن أو لا بلد". لكنه، في المقابل، لا يقول ماذا يريد فعليًا. الجملة الوحيدة التي يكررها هي: "لا تستطيعون بناء البلد من دوننا؟" وهي جملة فارغة سياسيًا، لا تشكل برنامجًا ولا مشروعًا.

السؤال بسيط ومباشر: ماذا تريد يا شيخ نعيم؟ إذا كان لديك مطلب، فاطرحه. تعالَ إلى نقاش واضح وصريح: إما أن يُقبل، أو يُرفض، أو يُعدَّل. أما التهديد الدائم، والتمسك بسلاح خارج الدولة، فقد أصبح خيارًا مستحيلًا. قل ماذا تريد، لأن أحدًا في الداخل أو الخارج لن يعرض عليك شيئًا بعد الآن. وهذا ليس موقفًا انفعاليًا ولا رغبة في الإقصاء، بل نتيجة ثلاث حقائق أساسية لا يمكن القفز فوقها:

الحقيقة الأولى، أنكم استفدتم، على مدى عقود، من ظروف إقليمية ودولية وداخلية استثنائية للإبقاء على سلاح غير شرعي. كل هذه الظروف انتهت. لم يعد هناك فائض قوة إقليمي يمكنكم الاتكاء عليه، ولا غطاء سياسي داخلي، ولا تسامح دولي مع واقع السلاح الخارج عن الدولة. وبالتالي، لا يمكن اليوم المطالبة بأي "مقابل" على أمر كان أصلًا نتاج ظروف استثنائية زالت بالكامل.

الحقيقة الثانية، أن هذا السلاح مخالف للدستور وخارج عن منطق الدولة، وقد أبقى لبنان في حالة فوضى سياسية وأمنية طوال خمسة وثلاثين عامًا. عطّل قيام الدولة، ومنع الاستقرار، وشرّع التدخلات الخارجية، وعرّض البلاد لحروب متكررة. أقصى ما يطلبه اللبنانيون اليوم ليس معاقبتكم ولا الانتقام منكم، بل أن تتركوا الدولة تستعيد سيادتها، وأن تتخلوا عن سلاح دمّر لبنان.

الحقيقة الثالثة، وهي الأهم والأكثر واقعية: أن عدم تسليم السلاح يعني ببساطة بقاءكم تحت الاستهداف الإسرائيلي الدائم. إذا لم تسلّموا السلاح، ستبقون عرضة للموت اليومي: ضربات عسكرية، اغتيالات، وجولات عسكرية صغيرة أو كبيرة. إعادة الإعمار مستحيلة، عودة الأهالي إلى قراهم مستحيلة، والاستقرار مستحيل. والنتيجة واحدة: هجرة جديدة، استنزاف بشري، وبيئة محاصَرة بالخوف والموت والخراب.

في المقابل، أعلنت الدولة اللبنانية بوضوح أنها لن تنزع السلاح بالقوة، لكنها في الوقت نفسه لن تسمح بنقله، ولا باستخدامه لاستجرار حرب مع إسرائيل، ولا لتهديد اللبنانيين من أي جهة كانت. بمعنى آخر: سلاحكم لم يعد يضغط على لبنان، بل أصبح عبئًا عليكم وحدكم.

ولنكن دقيقين: هذا السلاح لم يعد يخيف أحدًا في الداخل، ولم يعد يشكّل تهديدًا للدولة. اللبنانيون لم يعودوا يشعرون بأنه قادر على جرّهم إلى حرب كبرى، لأن قرار الحرب لم يعد بيدكم أصلًا. لكنه، في المقابل، بات يهددكم أنتم، ويحوّل بيئتكم إلى ساحة موت مفتوحة.

لهذا السبب تحديدًا، لا أحد يفاوضكم، ولا أحد يعرض عليكم شيئًا. أنتم اليوم في موقع الضعيف، لا في موقع من يفرض الشروط. وأمامكم خياران لا ثالث لهما:

إما أن تقولوا بوضوح ماذا تريدون، وندخل في نقاش سياسي صريح.

وإما أن تستمروا في مسار الموت، فلا بأس، طالما أن كلفته باتت محصورة بكم، وطالما أنكم مصرّون على المضي في خيار انتحاري.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: