ماذا كانت تنفّذ القوة الإسرائيلية في البقاع قبل انكشافها؟

10

لم يكن ليل البقاع أمس حدثاً عادياً في سجل الحرب المفتوحة على لبنان، ساعات طويلة تعانق فيها هدير الطائرات مع دوي الانفجارات، فيما كانت القرى تستيقظ على مشهد ميداني بالغ الحساسية، عملية إنزال نفذها الجيش الإسرائيلي تحت غطاء ناري كثيف وغير مألوف في محاولة للبحث عن رفات جندي إسرائيلي فُقد قبل عقود، مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل حرب: لماذا لا تزال إسرائيل مستعدة لدفع أثمان عسكرية باهظة من أجل جندي اختفى منذ زمن بعيد؟

اسم رون أراد بقي حاضراً بقوة في الوعي الإسرائيلي، إذ لم يعد في نظر المؤسسة العسكرية مجرد جندي مفقود، انما عنواناً لملف كامل يتعلق بالأسرى والمفقودين، ولهذا لم يتوقف البحث عنه رغم مرور ما يقارب أربعة عقود على اختفائه، فالعقيدة العسكرية الإسرائيلية تنظر إلى إعادة أي جندي مفقود كالتزام أخلاقي وسياسي لا يسقط مع الزمن.

في هذا السياق، كشفت مصادر أمنية عن أن عملية الإنزال التي تحدثت عنها معلومات متقاطعة، بينها ما أورده موقع Lebtalks لم تقع مباشرة داخل بلدة النبي شيت كما تم تداوله في الساعات الأولى، فالمعطيات الميدانية تشير إلى أن القوة الخاصة هبطت بداية على السلسلة الشرقية للبقاع، ثم تحركت بواسطة سيارات باتجاه الحي الشرقي وصولاً إلى منطقة بيت شكر قرب المقبرة، في عملية رافقتها غارات جوية مكثفة وأحزمة نارية واسعة وتحليق متواصل للطيران الحربي في الأجواء.

وتفيد المعلومات الأمنية عينها، بأن كشف العملية لم يحصل فوراً، إذ احتاج الأمر ساعات قبل أن تُرصد القوة عبر الكاميرات الحرارية، ما دفع وحدات من الجيش اللبناني إلى التحرك في المنطقة، وفي الوقت نفسه سُجلت حركة لعشائر محلية أطلقت أعيرة نارية عشوائية بعد انتشار خبر وجود قوة متسللة، وهي معطيات تتناقض مع الرواية التي جرى تداولها عن إحباط العملية من قبل حزب الله، إذ تشير المصادر إلى أن كشف القوة جاء بعد نحو ثماني ساعات من بدء الإنزال.

أما الميدان فقد ترك جرحاً عميقاً في قرى البقاع الشمالي، حيث سادت حالة توتر واسعة بعد تداول معلومات عن تقدم قوة كوماندوس إسرائيلية باتجاه المقبرة في حي آل شكر في محيط بلدة النبي شيت، والغارات التي رافقت العملية خلفت حصيلة ثقيلة من الضحايا والدمار.

الحصيلة الأولية للغارات والاشتباكات بلغت حتى الآن ستة وعشرين ضحية، بينهم ثلاثة عسكريين شهداء من الجيش اللبناني وشهيد من الأمن العام، إضافة إلى خمسة عشر ضحية من أبناء بلدة النبي شيت وتسعة ضحايا في بلدة الخريبة وضحية من بلدة سرعين وآخر من بلدة علي النهري، وهي أرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات رفع الأنقاض ومعالجة الجرحى.

المشهد في النبي شيت يعكس حجم الكلفة التي دفعتها البلدة، أحياء كاملة بدت كأنها أرض محروقة وبيوت تحولت إلى ركام، فيما يضاف هذا الدمار إلى سجل طويل من الخسائر التي تتحملها مناطق البيئة الشيعية في سياق المواجهة الدائرة، وفي المقابل يعلن الحزب، كما في كل محطة مشابهة أن ما حصل يمثل انتصاراً ميدانياً وهو خطاب يتردد على ألسنة مناصريه رغم حجم الخراب الذي يتركه القتال خلفه.

ويشير المصدر الأمني، إلى أن تفسير العملية على أنها بحث حصري عن رون أراد قد يكون تبسيطاً للصورة، فالمنطقة تعيش حالة حرب مفتوحة، وفي المفهوم العسكري قد تحمل مثل هذه العمليات أهدافاً أوسع كتنفيذ محاولة اغتيال أو عملية خطف أو حتى جمع معلومات استخباراتية حساسة عن مواقع وشبكات في المنطقة، وقد شهد لبنان سوابق مشابهة خلال حرب تموز العام 2006 حين نفذت إسرائيل عمليات خاصة داخل الأراضي اللبنانية لأهداف متعددة.

ولا يستبعد المصدر أن تكون القوة المتسللة قد استخدمت أساليب تمويه متقدمة، كما أن الفترة الطويلة التي سبقت كشف القوة تفتح باب التساؤل حول ما تمكنت من رصده أو متابعته خلال تلك الساعات، خصوصاً أن عمليات من هذا النوع لا تنفذ عادة من دون أهداف استخباراتية دقيقة.

انطلاقاً من ذلك يرى المصدر أن الحديث عن إنجاز ميداني سريع لحزب الله لا ينسجم مع الوقائع، فلو كانت القوة قد كُشفت في اللحظات الأولى لكان المشهد مختلفاً، أما التأخر في رصدها فيعني عملياً أنها تحركت لفترة كافية داخل المنطقة قبل اكتشافها، وهو عامل قد يكون أتاح لها جمع معطيات أو مراقبة أهداف محددة حتى وإن انتهت العملية من دون العثور على أي دليل يتعلق برون أراد.

اللافت أيضاً أن الجيش الإسرائيلي نفسه أعلن لاحقاً تفاصيل العملية، إذ أكد المتحدث باسم الجيش أن قوات خاصة نفذت ليلاً نشاطاً داخل لبنان في إطار محاولة البحث عن دلائل تتعلق بالملاح المفقود رون أراد، موضحاً أن القوة عملت في موقع محدد بحثاً عن أي معطيات مرتبطة بالقضية ومشيراً إلى عدم وقوع إصابات في صفوف القوة المشاركة.

وأقر البيان في الوقت نفسه بأن عملية البحث لم تسفر عن العثور على أي دليل يقود إلى مصير أراد، ومع ذلك شدد الجيش الإسرائيلي على أن العمل سيستمر بلا كلل ليلاً ونهاراً، انطلاقاً من التزامه بإعادة جميع جنوده قتلى كانوا أم مفقودين إلى إسرائيل.

وسط هذا المشهد تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن الحرب دخلت مرحلة أكثر قسوة، العمليات الخاصة تتكاثر والحدود لم تعد مجرد خطوط تماس تقليدية، وما جرى في البقاع مؤشراً إلى نمط جديد من العمليات في عمق الأراضي اللبنانية، وهو تطور يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف، مرحلة لا تبدو أبداً في مصلحة لبنان.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: