على وقع دعوات النزول إلى الشارع وقرارات مجلس الوزراء الحاسمة، يدخل لبنان مرحلة فاصلة قد تُعيد رسم موازين القوى في الداخل. فبينما تمضي الدولة في مسار واضح وثابت يتمثل بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، تتصاعد تحركات مناصري حزب الله بالنزول إلى الشوارع في الأيام الأخيرة، ولا سيّما أمام السراي الحكومي، في مشهد يُعيد مجدداً إلى الأذهان أجواء 7 أيّار، وصدام مباشر بين منطق الدولة ومنطق السلاح غير الشرعي.
ما يحصل اليوم لم يعد مجرّد احتجاج عابر ولا تحرّكاً سياسياً طبيعياً، بل محاولة مكشوفة لفرض الإرادة بالقوّة في وجه قرار الدولة. وهو تحوّل إلى اختبار حقيقي لهيبة المؤسسات وقدرتها على المواجهة، ووضع حدّ نهائي لتجاوزات أذرع إيران داخل لبنان، في لحظة يُحسم فيها شكل الدولة وسيادتها من عدمها.
في السياق، أشار النائب السابق فارس سعَيد في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "الدعوات الصادرة عن مناصري حزب الله للتجمع أمام السراي الحكومي اليوم في بيروت، تُعدّ من ردود الفعل المُتوقعة، لكنها لن تُفضي إلى أي نتيجة سياسية"، معتبراً أن "الأمر الواقع قد حُسم، والمفاوضات المُباشرة مع إسرائيل ستبدأ يوم الثلثاء المقبل".
تابع سعَيد: "تأتي هذه التحركات كردّ فعل على قرارَين أساسيَين: قرار الحكومة المتعلّق بجعل بيروت منطقة منزوعة السلاح، وقرار بدء التفاوض مع إسرائيل". وأكّد أن "أحداث 7 أيّار لن تتكرّر، لأن مقوّماتها لم تعد قائمة اليوم".
ولفت إلى أن "في ذلك الوقت، كان هناك توازن داخلي مُختلف، قائم على وجود حلفاء لحزب الله في الاوساط المسيحية والسنّية والدرزية والشيعية"، مضيفاً أن "الحدود اللبنانية – السورية كانت مفتوحة آنذاك، ونظام بشار الأسد في دمشق كان لا يزال موجوداً، كما كان هناك قدر من التساهل الاستثنائي من قبل الجيش، في سياق تسوية هدفت إلى إنهاء الفراغ الرئاسي". وجدّد سعَيد تأكيده أن "اليوم الوضع مختلف تماماً عن 7 أيّار".
أمّا عن قرار الحكومة بجعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، فعلّق سعَيد على الموضوع، وقال: "أنا لا أشكّك بدور الجيش. وعندما أعلنت الحكومة أن بيروت ستكون مدينة خالية من السلاح، فهذا يعني أنها ستكون كذلك فعلاً". ورأى أن "هذه إجراءات أمنية وتقنية سيتولاّها الجيش اللبناني بالتأكيد، ومن واجبنا دعم هذا القرار بكل ما نملك من قوّة سياسية".
وفي ما يتعلق بالجنوب، شدّد على أن "الجيش اللبناني قام بدوره في جنوب الليطاني، والدليل هو التقارير التي رفعها إلى مجلس الوزراء، والتي حظيت بتوافق حتى من قبل أعضاء لجنة الميكانيزم"، مُشيراً إلى أن "كان هناك مخازن أسلحة لحزب الله تحت الأرض مخفية حتى عن الميكانيزم، لكن هذا لا يبرّر التشكيك بدور الجيش، وهو أمرٌ مرفوض".
وصوّب سعَيد سهامه خلال حديثه إلى يوم الثلثاء، وتحديداً إلى يوم المفاوضات المُباشرة بين لبنان وإسرائيل، معتبراً أن "انتزاع مبدأ المفاوضات هو انتزاع ورقة من يَدَي إيران"، إيران سعت منذ العام 1982 إلى التفاوض باسم لبنان، وكادت أن تنجح في ذلك مع قرار وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، بظل الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية وخلال عهد حكومة نجيب ميقاتي".
وقال: "لكن منذ انتخاب رئيس الجمهورية جوزاف عون وتكليف رئيس الحكومة نواف سلام، صدرت قرارات سياسية حاسمة عن الدولة تؤكد ضرورة حصر السلاح بيدها. وعلى الرغم من كل ما جرى، نجحت الدولة اللبنانية في انتزاع ورقة المفاوضات".
وختم سعَيد بالتأكيد أن "تهديدات مستشار المرشد الإيراني اليوم لرئيس الحكومة نواف سلام لن تغيّر بالواقع الذي فرض نفسه نتيجة الحرب على طهران ونتيجة الأحداث في الداخل اللبناني".
لقد تجاوز الصراع الخلاف السياسي. فاصبح مواجهة واضحة بين مشروع دولة ومشروع إيران في لبنان. وكل محاولة لفرض الإرادة بالقوة أو بالشارع لن تغيّر الحقيقة: زمن الوصاية والسلاح غير الشرعي الذي أدّى إلى استشهاد بيار معوّض وزوجته والأب بيار الراعي وعناصر أمن الدولة يواجه تحدّيه الأكبر. ومَن يراهن على الترهيب أو الفوضى، إنما يضع نفسه في مواجهة الدولة واللبنانيين.