كتب عبد الفتاح خطاب:
منذ اللحظة التي وطئت فيها قدما روح الله الخميني أرض إيران في الأول من شباط 1979، وحتى رحيله في الثالث من حزيران 1989، لم يكن العالم يشهد مجرد تغيير تقليدي في نظام حكم داخلي، بل كان بصدد زلزال جيوسياسي أعاد تعريف موازين القوى وصياغة هوية المنطقة بأسرها. فخلال أقل من عقد ونصف من الزمن، نجح النظام الذي أرست قواعده الثورة في إحداث أعمق انشقاق طائفي في التاريخ المعاصر بين المسلمين، متجاوزاً الحدود الجغرافية للدولة الإيرانية ليعيد رسم خرائط الانقسام داخل العالم الإسلامي عبر تكريس خطاب مذهبي حاد، وتوظيف الدين في الصراعات السياسية المحمومة على نحو غير مسبوق في العصر الحديث.
وفي سبيل تثبيت هذا النفوذ، تحولت نظرية ولاية الفقيه من مجرد اجتهاد فقهي تقليدي ومحصور إلى مشروع سياسي عابر للحدود، استخدم كأداة استراتيجية لتصدير الثورة وبناء هيمنة إقليمية. وقد رافق هذا المشروع تربية أجيال كاملة على عقيدة سوداوية مشبعة بالغيبيات والخرافات، والصدام مع المكونات التاريخية للأمة من خلال شتم الصحابة والوصول إلى تأليه شبه مطلق للإمام علي رضي الله عنه. وتزامن هذا الشحن الأيديولوجي مع تفريخ شبكات من الميليشيات والجماعات المسلحة في دول عربية وإسلامية عدة، حيث بات ولاؤها الأول والأخير للولي الفقيه في طهران لا لدولها ولا لشعوبها، مما أدى بالضرورة إلى تآكل مفهوم الدولة الوطنية، وتعميق الشروخ والنزاعات الداخلية، وتحويل تلك البلدان إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية وضرب الهوية الجامعة لصالح ولاءات مذهبية فئوية.
ومع تراكم هذه السياسات وتجذرها عبر العقود، انتقل الأثر من أروقة السياسة وساحات الحروب ليضرب في عمق الوعي العالمي، حيث صُبغت صورة الإسلام في أذهان قطاع واسع من الرأي العام الدولي بألوان الخرافة، والتخلف، والتطرف، والتزمت السياسي الراديكالي. ولأن المراقب الخارجي غدا يربط بين خطابات النظام وممارساته العنيفة وبين جوهر الدين نفسه، فقد باتت هذه الصورة السلبية هي المهيمنة، وتداخلت مفاهيم العقيدة مع التسييس الحاد. ولم يكن هذا التداخل المضلل نتاج ممارسات حكم الملالي بمفرده، بل غذّته وكرّسته خطابات متطرفة متقابلة من أطراف متعددة، جعلت من الدين مرادفاً للاضطراب والنزاع بدل أن يكون منارة للقيم الإنسانية الجامعة، مما وضع المسلمين اليوم أمام معضلة كبرى في كيفية استعادة وجههم الحضاري الذي شوهته هذه الصراعات.
اليوم، وبعد مضي أكثر من أربعة عقود على تلك التحولات، تبدو المهمة الملقاة على عاتق المثقفين والمصلحين المسلمين أكثر تعقيداً من مجرد تصحيح صورة عابرة أو الرد على انطباعات، إذ يقف العالم الإسلامي أمام تحدٍّ حضاري وتاريخي طويل الأمد قد يتطلب قرناً من الجهد الفكري والتربوي والثقافي الجاد لإعادة تقديم الإسلام بوصفه منظومة قيم حضارية وإنسانية قائمة على التعددية، والعدل، وسيادة العقل. وهذه الضرورة الوجودية لا يمكن أن تختزل في خطابات دفاعية أو اعتذارية وعظية، بل تستدعي بالضرورة تقديم نماذج واقعية وملموسة في الحكم الرشيد، وتطوير التعليم، والإنتاج المعرفي الرصين، لتكون الممارسة الفعلية على أرض الواقع هي البرهان الأقوى على جوهر القيم الإسلامية قبل أن تنطق بها النصوص.