كتب عبد الفتاح خطاب:
في تاريخ لبنان الحديث، شكّلت اغتيالات رؤساء وشخصيات سياسية وفكرية ودينية بارزة نمطاً متكرراً من الجرائم التي لم تفضِ في كثير من الأحيان إلى محاسبة فعلية. وتُظهر قضايا أربعة رؤساء مسارات مختلفة لتعثر العدالة، سواء بسبب غياب الأحكام القضائية، أو تعذر تنفيذها، أو صدور قوانين عفو أنهت مفاعيلها.
أصدر المجلس العدلي في قضية اغتيال الرئيس بشير الجميل، الذي اغتيل في 14 أيلول 1982، حكماً نهائياً غيابياً بالإعدام بحق المسؤول الأمني في الحزب السوري القومي الاجتماعي نبيل العلم (الذي أُعلنت وفاته لاحقاً)، والمتهم الرئيسي حبيب الشرتوني، وذلك بتاريخ 20 تشرين الأول 2017.
وكانت "القوات اللبنانية" قد ألقت القبض على الشرتوني بعد أيام قليلة من التفجير، قبل تسليمه إلى قوى الأمن. وقد أقرّ خلال التحقيقات بمشاركته في العملية. وأمضى ثماني سنوات في سجن رومية من دون محاكمة مكتملة، قبل أن يتمكن من الفرار في 13 تشرين الأول 1990 عقب دخول القوات السورية إلى المناطق التي كانت خاضعة لحكومة العماد ميشال عون. ومنذ ذلك الحين، توارى عن الأنظار.
أما ملف اغتيال الرئيس رينيه معوض، الذي اغتيل في 22 تشرين الثاني 1989، فلا يزال مفتوحاً من دون صدور حكم قضائي نهائي حتى اليوم.
وفي قضية الرئيس رشيد كرامي، الذي اغتيل في 1 حزيران 1987، صدرت سلسلة من قرارات الإدانة عن المجلس العدلي ومحكمة جنايات بيروت، من بينها القرارات رقم 5/95 (24 حزيران 1995)، و4/96 (13 تموز 1996)، و2/97 (9 أيار 1997)، و2/99 (25 حزيران 1999). كما أصدرت محكمة جنايات بيروت الحكم رقم 380/96 بتاريخ 20 أيار 1996، وقضى بالإعدام بحق قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، قبل أن تُخفف العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. وشملت الملاحقات ضباطاً وعناصر آخرين، إلا أن قانون العفو العام رقم 677 الصادر في 19 تموز 2005 أنهى تنفيذ ما تبقى من العقوبات الصادرة بحق المحكومين.
أما في قضية الرئيس رفيق الحريري، الذي اغتيل في 14 شباط 2005، فقد أدانت المحكمة الخاصة بلبنان سليم عياش في 18 آب 2020، ثم حكمت عليه بالسجن المؤبد. إلا أن الحكم بقي غيابياً ولم يُنفذ. وبحسب تقارير إعلامية متعددة، نُسب إلى غارة جوية إسرائيلية استهدفت مدينة القصير في ريف حمص السوري بتاريخ 10 تشرين الثاني 2024 أنها أدّت إلى مقتل عياش، من دون صدور تأكيد رسمي حاسم بشأن ذلك.
وتعكس هذه القضايا الأربع جانباً من أزمة العدالة في لبنان، حيث تداخلت الاعتبارات السياسية والأمنية والقانونية مع مسار التحقيقات والمحاكمات. وبين ملفات بقيت بلا أحكام وأخرى صدرت فيها أحكام لم تُنفذ بالكامل، يظل الإفلات من العقاب أحد أبرز التحديات التي تواجه ترسيخ سيادة القانون وتعزيز الثقة بالمؤسسات القضائية.