افتتاحية LebTalks: بين صندوق الاقتراع وديبلوماسية الخارج.. أي دولة يريدها لبنان؟

lebanonn

في وقتٍ يستعد فيه اللبنانيون لخوض استحقاق انتخابي جديد، تتكثّف حركة الدولة على أكثر من خط خارجي، في مشهد يعكس حجم التناقض بين طموحات الداخل وضغوط الخارج. انتخابات تُقدَّم بوصفها مدخلًا للإصلاح والتغيير، يقابلها واقع سياسي وأمني واقتصادي لا يزال رهينة حسابات إقليمية ودولية معقّدة.

الانتخابات المقبلة لا تُختصر فقط بمعركة لوائح وأصوات، بل تشكّل اختبارًا فعليًا لمدى قدرة الدولة على استعادة دورها، ولإعادة طرح السؤال الجوهري، هل يملك لبنان قرارَه السيادي؟ أم لا يزال ينتظر إشارات الخارج قبل أي خطوة مفصلية؟

فالانتخابات، في هذا الإطار، ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل مفصل سياسي. فهي إمّا أن تعيد إنتاج الطبقة نفسها بمنطق التسويات، أو أن تفتح نافذة، ولو ضيقة، نحو إعادة التوازن بين الداخل والخارج. فالديبلوماسية بلا غطاء داخلي تبقى ناقصة، كما أن أي دعم دولي يبقى هشًّا من دون شرعية شعبية حقيقية.

في هذا السياق، جاءت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إسبانيا، حاملةً رسالة سياسية واضحة، مفادها مطالبة المجتمع الدولي، ولا سيما الأوروبي، باعتماد لهجة أكثر حزمًا تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة. موقفٌ يعكس محاولة لإعادة تثبيت موقع الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في مخاطبة الخارج، بعيدًا من منطق البيانات الخجولة أو ردود الفعل الموسمية.

لكن أهمية هذه الزيارة لا تكمن فقط في مضمون الرسائل، بل في توقيتها. فلبنان، عشية الانتخابات، يحاول أن يقدّم نفسه كدولة تسعى إلى تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في وقتٍ تتوسّع فيه رقعة التوتر في المنطقة. وهنا يبرز التحدّي الأكبر، كيف يمكن ترجمة المواقف الديبلوماسية إلى حماية فعلية للسيادة، في ظل موازين قوى غير متكافئة؟

بالتوازي، جاءت زيارة قائد الجيش إلى واشنطن لتعيد تسليط الضوء على الدور المحوري للمؤسسة العسكرية، في لحظة دقيقة داخليًا وإقليميًا. فالجيش، الذي يشكّل أحد آخر أعمدة الاستقرار الداخلي، لا يُنظر إليه فقط كقوة أمنية، بل كمؤسسة وطنية جامعة تُعوَّل عليها في منع الانزلاق إلى الفوضى، وضبط التوترات على أكثر من جبهة.

وتحمل هذه الزيارة أبعادًا تتجاوز البعد البروتوكولي، إذ تندرج في إطار البحث في سبل استمرار الدعم الأميركي للمؤسسة العسكرية، سواء على المستوى اللوجستي أو المالي، في ظل أزمة اقتصادية خانقة أثّرت بشكل مباشر على قدرات الجيش ومعنويات عناصره. كما تفتح الزيارة باب النقاش حول دور الجيش في المرحلة المقبلة، بين متطلبات حفظ الأمن الداخلي، والتحديات المرتبطة بالحدود الجنوبية، وسط تصعيد إقليمي متزايد.

غير أن الرهان المتزايد على الجيش يطرح بدوره إشكالية حساسة، إلى أي حد يمكن لمؤسسة عسكرية، مهما بلغت متانتها، أن تعوّض غياب القرار السياسي الواضح؟ فاستمرار الدعم الخارجي يبقى مشروطًا بسياق سياسي داخلي قادر على توفير الغطاء اللازم، ومنع تحويل الجيش إلى خط الدفاع الأخير في دولة تتآكل مؤسساتها.

بين مدريد وواشنطن، وبين صندوق الاقتراع وهموم الناس اليومية، يقف لبنان أمام لحظة اختبار جديدة، فإمّا أن تتحوّل هذه التحركات إلى جزء من مسار متكامل لإعادة بناء الدولة، أو تبقى مجرد عناوين عريضة في بلد اعتاد أن يعيش على هامش الفرص.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: