افتتاحية LebTalks: قاسم "راوح مكانك".. ولبنان عالق بين استحقاقات داخلية وخارجية

kassem

لم تكن الكلمة الأخيرة للأمين العام لحزب الله نعيم قاسم مجرّد خطاب سياسي عابر، بل جاءت كصدام مباشر مع مجمل المشهد السياسي القائم، حاملة هجوماً طال وزير الخارجية يوسف رجي، وبشكل غير مباشر رئيس الجمهورية، والحكومة مجتمعة، في لحظة دقيقة تتقاطع فيها الاستحقاقات الداخلية مع تحوّلات إقليمية وضغوط دولية متزايدة. المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، لن يتقبّل هذا الخطاب الذي يزيد من تعقيد الوضع الداخلي ويضع لبنان في دائرة المخاطر السياسية والأمنية، ومن المؤكد أنه يبحث عن صيغة للتعامل معه.

وقد بلغ التصعيد ذروته حين قال قاسم بوضوح إن "نزع السلاح طويل على رقبتكن"، عبارة لم تقرأ كزلة لسان، بل كرسالة تحدٍّ صريحة لكل من يضع هذا الملف على جدول الأولويات، وتأكيد أن الحزب لا يرى في تغيّر الموازين الإقليمية أو تصاعد الضغوط الدولية سبباً للتراجع أو فتح باب النقاش، بل يواصل تعنّته بقراره الإبقاء على السلاح، رغم ما أدّى إليه من مزيد من الدمار في لبنان.

وفي سياق آخر، يبرز ملف قانون الانتخاب كأحد أكثر العناوين إلحاحاً وحساسية. فالحكومة، عملياً، رمت القانون في ملعب مجلس النواب، مكتفية بإحالتها ضمن المهل، ومسلّمة الكرة إلى السلطة التشريعية. إلا أن ضيق الوقت، وتشابك المصالح، وغياب التوافق السياسي، كلها عوامل تجعل من دور المجلس تحدياً حقيقياً، لا سيما في ظل مخاوف جدية من الوقوع في إشكالية قانونية أو دستورية قد تُستخدم لاحقاً لتبرير التأجيل أو فرض وقائع جديدة على الاستحقاق الانتخابي.

وفي هذا السياق الداخلي الضاغط، لم يعد أمام مجلس النواب ترف الوقت أو هامش المناورة، فبعد توقيع رئيس الجمهورية جوزاف عون المرسوم الرقم 2188 بتاريخ 24 كانون الأول 2025، القاضي بدعوة المجلس إلى عقد استثنائي يُفتتح في 2 كانون الثاني 2026 ويُختتم في 1 آذار 2026 ضمناً، بات واضحاً أن السلطة التشريعية باتت أمام مهلة دستورية ملزمة لا تحتمل التأجيل أو التسويف.

ويأتي هذا المرسوم في سياق نهج اعتمده رئيس الجمهورية منذ تسلّمه مهامه، يقوم على التشديد الصارم على احترام المهل الدستورية وعدم فتح الباب أمام أي أعذار سياسية أو إجرائية. وعليه، فإن أي تقاعس أو إخفاق في إنجاز الاستحقاقات المطلوبة ضمن هذه المهلة سيضع مجلس النواب أمام مسؤولياته الدستورية الكاملة، ويُخرج النقاش من الإطار السياسي إلى دائرة الإشكالية القانونية والدستورية المباشرة.

هذا المشهد الداخلي المأزوم لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي المتغيّر. فما شهدته الساحة السورية أخيراً، وخصوصاً ما يتصل بـ"قسد"، بدا أشبه بنهاية مرحلة كاملة. فالتراجع السريع، أو ما يمكن وصفه بـ"الاستسلام المنظّم"، ترافق مع انتقال السيطرة إلى القوات السورية النظامية، في مشهد لم يكن ليتم لولا الغطاء والدعم الأميركي الواضح. وهو ما يؤكد أن ما يحصل ليس حدثاً ميدانياً معزولاً، بل جزء من إعادة رسم خريطة النفوذ في سوريا والمنطقة.

الدلالة الأبرز في هذا التحوّل تكمن في أن الولايات المتحدة، اللاعب الأساسي في تحديد مسارات النزاعات الإقليمية. فالدعم الأميركي لما حصل مع "قسد" يؤشر إلى أن المشروع الأميركي في المنطقة لم يتراجع، بل دخل مرحلة أكثر وضوحاً وحسماً، عنوانها تقليص الأدوار الثانوية، وإعادة ترتيب الأوراق بما يخدم رؤية استراتيجية أوسع.

من هنا، يصبح ما حصل مع "قسد" رسالة تتجاوز الجغرافيا السورية. إنها رسالة إلى كل القوى المحلية في المنطقة، مفادها أن زمن الرهانات المفتوحة والخيارات الرمادية يقترب من نهايته. فإما الالتحاق بالمسار العام للمشروع الإقليمي الجديد، وإما البقاء خارج المعادلة مع ما يستتبع ذلك من خسائر سياسية وأمنية.

لبنان، بطبيعة الحال، ليس خارج هذا السياق، فالترابط بين الساحات بات أوضح من أي وقت مضى، وأي محاولة للفصل بين ما يحصل في سوريا وما يمكن أن ينعكس على الداخل اللبناني تبدو أقرب إلى الوهم. وما حصل مع "قسد" يؤكد أن لبنان أيضاً أمام لحظة مفصلية، حيث لا مهرب من مواجهة سؤال الخيارات الكبرى.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: