تشير المعطيات السياسية والأمنية إلى أن لبنان دخل مرحلة حركة موفدين مكوكية متسارعة، تعكس حجم القلق الإقليمي والدولي من تطورات المرحلة المقبلة، في ظل احتدام المواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل، واحتمالات توسع رقعة النزاع.
وفي هذا الإطار، يأتي تعديل موعد انعقاد جلسة لجنة الميكانيزم ليكشف حساسية التوقيت ودقة الحسابات، خصوصاً أن السبب مرتبط بالجانب الإسرائيلي، ما يؤكد أن الاجتماعات لم تعد تقنية أو روتينية، بل باتت مرتبطة مباشرة بمسار المواجهة الإقليمية.
وبحسب المعلومات، فإن اجتماعات لجنة الميكانيزم، التي اتّخذت في الفترة الأخيرة طابعاً عسكرياً، ازدادت تشدداً من هذه الزاوية في ظل غياب المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وديبلوماسيين آخرين، ما أعطى اللقاءات طابعاً أمنياً صِرفاً.
وتلفت المصادر إلى أن الجانب الإسرائيلي سيحاول تثبيت روايته خلال الاجتماعات المقبلة، عبر التأكيد أن ما جرى تداوله في الإعلام الإسرائيلي حول خطط عسكرية هو جزء من استراتيجية جاهزة تستهدف تفكيك كامل البنى التحتية لحزب الله، بهدف منعه من الانخراط في أي مواجهة محتملة بين إيران وإسرائيل، في رسالة ردع مباشرة.
بالتوازي، يتحرّك الموفد الفرنسي جان إيف لودريان في توقيت لافت، حاملاً مشروعاً قديماً يُعاد إحياؤه من حين إلى آخر، يتمحور حول مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني. ويقرأ مراقبون هذه الخطوة على أنها محاولة فرنسية لإعادة تثبيت الجيش كعنصر توازن داخلي وضامن أمني، في ظل تصاعد الضغوط الدولية لحصر السلاح خارج إطار الدولة. وتؤكد رئاسة الجمهورية اللبنانية، في هذا السياق، أن الجيش اللبناني، من حيث العتاد والانتشار، يحتاج إلى دعم مباشر لاستكمال المرحلة الثانية من عملية احتواء سلاح حزب الله، والتي تشمل شمال نهر الليطاني، كما فعل في جنوبه، وهو ما كانت قيادة الجيش قد شددت عليه خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة.
وفي السياق نفسه، تندرج الزيارة المرتقبة للموفد القطري إلى بيروت الأسبوع المقبل ضمن الحركة الديبلوماسية المتصاعدة، رغم أن المعلومات تشير إلى عدم مشاركة أي موفد في جلسة لجنة الميكانيزم. ويُنظر إلى الحضور القطري على أنه جزء من مسعى أوسع لتثبيت الاستقرار ومنع انزلاق لبنان إلى أي مواجهة مفتوحة، خصوصاً في ظل الدور الذي تلعبه الدوحة كوسيط في ملفات إقليمية حساسة.
على المستوى الداخلي، لا يبدو المشهد أقل ارتباكاً، إذ تستغرب مصادر متابعة للشؤون المالية التخبّط داخل بعض اللجان النقابية في مقاربة قانون الفجوة المالية، لا سيما في ظل التلويح بتحركات احتجاجية، ما يعكس غياب مقاربة موحّدة وخشية من توظيف الملف مالياً وشعبياً في توقيت بالغ الحساسية.
أما على الصعيد الكنسي – الثقافي، فكشف مصدر كنسي عن أن مرجعية روحية كانت قد تقدّمت بطلب وتمنٍّ في حال الإبقاء على زيارة الأب غيلليرمي إلى بيروت وإحيائه للحفل، يقضي بعدم ارتدائه الزي الكهنوتي خلال الحفل، على أن يسبق النشاط الفني مشاركة في القداس الذي أُقيم في جامعة الروح القدس – الكسليك.
تبدو كثرة الموفدين وتزامن ملفات الأمن والمال والسياسة مؤشراً واضحاً إلى أن لبنان يقف عند تقاطع إقليمي دقيق، حيث تدار المرحلة المقبلة بخطوات محسوبة ورسائل متبادلة، في محاولة أخيرة لضبط الإيقاع ومنع الانزلاق.
ولا تستبعد مصادر مطلعة أن تشكّل هذه الحركة الديبلوماسية المكوكية إحدى المحطات الأخيرة قبل مرحلة أكثر خطورة، في حال فشلت الجهود في احتواء المواجهة الإقليمية الكبرى، ما يضع لبنان مجدداً في قلب الحسابات والاحتمالات المفتوحة في الأسابيع المقبلة.