"البودكاست" في لبنان والعالم العربي… مستقبل الإعلام أم نهاية العصر التقليدي؟

SS365005010

كتب المحامي ميشال فلاّح:

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الإعلام سيتغير، بل كيف سيبدو هذا التغيير. فخلال سنوات قليلة، انتقل "البودكاست" من كونه تجربة رقمية محدودة إلى ظاهرة إعلامية واسعة تستقطب كبار الصحافيين، والمؤسسات الإعلامية الكبرى، والجمهور الباحث عن نموذج جديد في استهلاك المعرفة والأخبار.

في لبنان والعالم العربي، حيث لطالما شكلت الصحافة الورقية ومحطات التلفزة العمود الفقري للمشهد الإعلامي، يطرح انتشار البودكاست سؤالاً أكثر عمقاً: هل نحن أمام مجرد تطور تقني في أدوات الإعلام، أم أمام اعتراف ضمني بأن مركز الثقل الإعلامي انتقل من المؤسسات التقليدية إلى المنصات الرقمية الجديدة؟

من أزمة الإعلام التقليدي إلى صعود الإعلام الشخصي

شهد القطاع الإعلامي اللبناني والعربي خلال العقد الأخير تحولات عميقة. فالصحافة الورقية واجهت أزمة غير مسبوقة نتيجة تراجع التوزيع والإعلانات، وارتفاع تكلفة الإنتاج، وانتقال الجمهور تدريجياً إلى المنصات الرقمية. أما محطات التلفزة، التي كانت لعقود المصدر الرئيسي للأخبار والتحليل السياسي، فأصبحت تنافس فضاءً مفتوحاً لا يخضع بالضرورة لمنطق البث التقليدي.

لم يعد المشاهد ينتظر موعد نشرة الأخبار أو برنامج الحوار الأسبوعي، بل أصبح قادراً على اختيار المحتوى الذي يريده، ومتابعته عبر الهاتف أثناء التنقل في سيارته أو العمل. هذا التحول في السلوك الإعلامي فرض على المؤسسات التقليدية إعادة النظر في أدواتها.

ومن هنا جاء البودكاست كإجابة على أزمة الثقة والاهتمام التي تواجه الإعلام التقليدي. فهو يعيد تقديم الصحفي بصورة مختلفة: ليس فقط ناقلاً للخبر، بل محاوراً ومحللاً وصاحب خطاب شخصي قادر على بناء علاقة مباشرة مع الجمهور.

لماذا انتقل كبار الإعلاميين إلى البودكاست؟

المفارقة أن أبرز وجوه الإعلام التقليدي لم تنظر إلى البودكاست باعتباره منافساً، بل باعتباره فرصة لإعادة اكتشاف دورها الإعلامي. فالصحافي الذي كان مقيداً بزمن الحلقة التلفزيونية أو بسياسة المؤسسة التي يعمل فيها، وجد في البودكاست مساحة أوسع للحوار والتحليل. فالحلقة التي كانت مستحيلة تلفزيونياً بسبب طولها أو تعقيد موضوعها يمكن أن تجد جمهورها بسهولة عبر منصة رقمية.

كما أن هذا النموذج يمنح الإعلامي استقلالية أكبر. فالجمهور لا يتابع المؤسسة فقط، بل يتابع شخصية الصحافي وخبرته وطريقته في طرح الأسئلة. وهذا يفسر انتقال عدد من الإعلاميين اللبنانيين والعرب المعروفين إلى إنتاج برامج رقمية خاصة بهم، سواء بشكل مستقل أو بالشراكة مع منصات إعلامية.

لقد أصبح "اسم الإعلامي" في بعض الحالات علامة إعلامية بحد ذاته، بعد أن كانت المؤسسة التلفزيونية أو الصحيفة هي العلامة الأساسية.

دخول المؤسسات الكبرى: تحول دفاعي أم استراتيجي؟

إن دخول محطات التلفزة والصحف الكبرى إلى عالم البودكاست لا يمكن اعتباره مجرد تجربة تقنية إضافية. فهو يعكس إدراكاً بأن الجمهور الجديد لم يعد موجوداً فقط أمام الشاشة التقليدية.

المؤسسات الإعلامية التي كانت تنتج نشرة تلفزيونية أو صفحة أولى في صحيفة باتت تنتج حلقات صوتية ومرئية مخصصة للهواتف والمنصات الرقمية. وهي لا تفعل ذلك فقط للحفاظ على جمهورها الحالي، بل للوصول إلى فئات عمرية جديدة لم تعد تعتبر التلفزيون المصدر الأول للمعلومة.

لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أكثر حساسية: هل يمثل البودكاست تطوراً طبيعياً للإعلام، أم أنه اعتراف بانحسار الإعلام التقليدي؟

الإجابة ربما تكمن في أن الأمرين صحيحان معاً. فالتكنولوجيا تفرض تطور الأدوات، لكنها تكشف أيضاً نقاط ضعف النماذج القديمة. فالإعلام التقليدي لم يفقد أهميته، لكنه فقد احتكاره.

البعد القانوني: هل البودكاست إعلام أم فضاء شخصي؟

قانونياً، يطرح البودكاست تحديات جديدة، خصوصاً في الدول العربية ومنها لبنان، لأن الحدود بين الصحافي وصانع المحتوى أصبحت أكثر ضبابية.

فهل مقدم البودكاست يتمتع بالصفة الإعلامية؟ وهل يخضع للقواعد نفسها التي تحكم المؤسسات الصحافية؟ وهل يتحمل مسؤولية تصريحات ضيوفه؟

هذه الأسئلة أصبحت مركزية، لأن المحتوى الرقمي لا يعني غياب المسؤولية القانونية. فجرائم القدح والذم، التشهير، انتهاك الخصوصية، نشر الأخبار الكاذبة، أو الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، تبقى قائمة مهما كانت المنصة المستخدمة.

وفي لبنان، يبقى الإطار القانوني موزعاً بين قانون المطبوعات، وقواعد المسؤولية المدنية والجزائية، والتشريعات المتعلقة بالجرائم المعلوماتية. فحرية التعبير المحمية دستورياً لا تعني إعفاء صانع المحتوى من المسؤولية عندما يتحول الخطاب إلى إساءة أو تشهير أو نشر معلومات غير صحيحة.

المشكلة القانونية الأساسية تكمن في إيجاد توازن بين حماية حرية الإعلام الرقمي وعدم تحويل الفضاء الإلكتروني إلى منطقة خالية من الضوابط.

مستقبل الإعلام: نهاية التلفزيون أم ولادة نموذج جديد؟

من الخطأ اعتبار البودكاست بديلاً كاملاً عن التلفزيون أو الصحافة. فالإعلام لا يموت عادة، بل يعيد تشكيل نفسه. الصحف تحولت إلى منصات رقمية، والتلفزيونات أصبحت تنتج محتوى لمنصات الإنترنت، والبودكاست أصبح امتداداً جديداً للصوت الإعلامي.

لكن المؤكد أن العلاقة بين الإعلام والجمهور تغيرت جذرياً. لم يعد الجمهور ينتظر من المؤسسة أن تختار له ماذا يشاهد ومتى يشاهد، بل أصبح يختار الصحفي والموضوع والوقت.

وهنا تكمن أهمية البودكاست: فهو ليس مجرد تقنية جديدة، بل مؤشر على انتقال الإعلام من عصر المؤسسة المسيطرة إلى عصر العلاقة المباشرة بين الصحفي والجمهور.

في لبنان والعالم العربي، قد لا يكون البودكاست إعلاناً عن موت الإعلام التقليدي، لكنه بالتأكيد إعلان عن نهاية احتكاره. فالمستقبل الإعلامي لن يكون لمن يملك الشاشة الأكبر، بل لمن يملك القدرة على بناء الثقة في فضاء رقمي مفتوح.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: