التفاوض: "الدولة تأخرت".. لمراعاة "شعور الحزب"

حزب-الله (1)

عاد الحديث في الآونة الأخيرة عن إمكان فتح باب التفاوض بين لبنان وإسرائيل، بعد طرح رئيس الجمهورية جوزاف عون حول مقاربة ملف الحدود والتهدئة. لكن هذا الطرح فتح نقاشاً أعمق داخل الساحة اللبنانية: هل التفاوض اليوم خطوة ضرورية لحماية البلد، أم أنه يأتي في توقيت خاطئ، بعد سنوات من التردد وغياب القرار الحاسم؟

في السياسة الدولية، التفاوض مع الخصوم ليس أمراً استثنائياً، دول كثيرة تفاوضت مع أعدائها خلال الحروب أو بعدها، لتنظيم الحدود أو لوقف النزاعات. المشكلة في لبنان ليست في فكرة التفاوض بحد ذاتها، بل في الموقع الذي يدخل منه لبنان إلى هذا التفاوض.

فالتفاوض يحتاج إلى دولة واضحة القرار، تمتلك وحدها سلطة الحرب والسلم، وقادرة على فرض ما تلتزم به. لكن الواقع اللبناني مختلف، فلبنان يعيش منذ سنوات حالة من ازدواجية القرار، حيث لا تحتكر الدولة بالكامل قرار السلاح، ولا تملك وحدها تحديد متى تُفتح الجبهة ومتى تُغلق.

تاريخ العلاقة بين لبنان وإسرائيل يبيّن أن أي محطات تفاوض سابقة حصلت في ظروف ضاغطة، سواء بعد حروب أو أزمات كبرى، من اتفاقية الهدنة اللبنانية الإسرائيلية 1949 إلى اتفاق 17 أيار 1983، وصولاً إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل 2022. في كل تلك الحالات، لم يكن التفاوض خياراً سياسياً هادئاً بقدر ما كان نتيجة ضغط الواقع.

لكن الحقيقة أن لبنان كان له أكثر من فرصة للتفاوض من موقع قوة، خصوصاً بعد انسحابات إسرائيل في التسعينيات وبداية الألفية. في تلك الفترات، كان لبنان قادراً على وضع شروطه والحصول على مكاسب استراتيجية، وربما كان بالإمكان تأمين حقوق إضافية وتحقيق "غنائم" أكبر. لكن هذه الفرص ضاعت بسبب تعنّت "حزب الله"، الذي رفض التفاوض في أوقات كان لبنان فيها نسبياً قويًا، وهو منطق مشابه لما حصل مع الفلسطينيين، رفض التفاوض في أوقات تستطيع فيها الدولة حماية حقوقها أو تحقيق مكاسب أكبر يؤدي لاحقاً إلى ضعف الموقف وخسارة الفرص. إضافة لذلك، ساهمت الحروب المتتالية والعبثية في إضعاف لبنان وخسارة الكثير من الأرضية الاستراتيجية والسياسية.

لكن، لماذا يُطرح التفاوض الآن؟

بالنسبة لكثيرين، المشكلة ليست في المبادرة التي يطرحها الرئيس عون بحد ذاتها، بل في أنها تأتي متأخرة. فالدولة اللبنانية، حكومةً ورئاسةً، كان يفترض أن تتخذ منذ البداية خطوات أكثر حزماً في مسألة السيادة وقرار الحرب والسلم.

كان المطلوب تثبيت قاعدة واضحة، لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار حرب خارج مؤسساتها، لكن ما حصل كان العكس تماماً. فالدولة فضّلت إدارة التوازنات الداخلية ومراعاة مشاعر "حزب الله"، بدل فرض قواعد واضحة للسيادة.

هذا التردد السياسي هو الذي أوصل لبنان إلى الوضع الحالي، حيث تُطرح فكرة التفاوض في لحظة يبدو فيها البلد منهكاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً. وهنا يبرز الاعتراض الأساسي، التفاوض ليس المشكلة، بل التفاوض من موقع الضعف.

فالدول القوية تفاوض عندما تريد، أما الدول المأزومة فتفاوض عندما تُدفع إلى ذلك.

من هنا، يرى منتقدو الطرح الحالي أن أي مبادرة تفاوضية اليوم تبدو وكأنها محاولة لمعالجة نتائج أزمة كان يمكن تفاديها لو اتخذت الدولة قرارات حازمة في وقتها. فالدولة التي لا تفرض قرارها داخل حدودها، تجد نفسها لاحقاً مضطرة للتفاوض وهي مثقلة بالتوازنات والانقسامات.

والأخطر أن استمرار مراعاة حسابات القوى المسلحة داخل لبنان يجعل أي مسار تفاوضي هشاً بطبيعته. فالمفاوضات حول الأمن والحدود لا يمكن أن تنجح إذا لم يكن القرار السيادي واضحاً ومحسوماً داخل الدولة نفسها.

لهذا السبب، يرى كثيرون أن الأولوية اليوم لا يجب أن تكون إطلاق مبادرات تفاوضية، بل استعادة الدولة لقرارها أولاً. لأن التفاوض الحقيقي لا يبدأ على الحدود، بل يبدأ داخل الدولة نفسها، عندما يصبح قرار الحرب والسلم بيدها وحدها.

في النهاية، قد يكون التفاوض خياراً مطروحاً في السياسة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في لبنان ليس إن كان يجب التفاوض مع إسرائيل، بل لماذا لم تُبْنَ دولة قادرة على التفاوض من موقع القوة منذ البداية.

فالمشكلة لم تكن يوماً في التفاوض، بل في أن الدولة اللبنانية تأخرت كثيراً في اتخاذ القرارات التي كانت ستجعل أي تفاوض لاحق خياراً سيادياً وقوياً، لا خطوة اضطرارية تحت الضغط، وضاعت عليها فرص عدة في التسعينيات وبداية الألفية بسبب التعنّت الداخلي والحروب المتتالية العبثية، تماما كما حدث في الحالة الفلسطينية.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: