الجسد والحرية.. معركة واحدة ضد النظام الخامنئي

mahsa

عندما قصّت امرأة إيرانية شعرها في الشارع، لم يكن ذلك فعل حدادٍ فقط، بل إعلان حربٍ على نظامٍ يخاف خصلة شعرٍ أكثر مما يخاف الحقيقة. وعندما احتجّ الإيرانيون مجتمعين، على اختلاف أجناسهم، ضدّ الوضع المعيشيّ المزري، لم يكن ذلك بهدف رفع المعاشات، بل لمواجهة عدوّ داخليّ قبل أن يكون خارجيًّا، عدوّ واجه الجوع بالرصاص.

أعادتنا الثورة الأخيرة في إيران ضدّ ارتفاع الأسعار والغلاء المعيشي بالذاكرة إلى العام 2022، حين ثارت الإيرانيات ضدّ القمع وفرض الحجاب بالقوة والقتل.

يقولون: "لا إكراه في الدين"، لكن يبدو أنّ خامنئي له دينه الخاص، دينٌ يقتل فيه من أجل الحجاب، ويُقمع فيه الناس باسم الأخلاق.

النظام الذي يطلق الرصاص على الجائعين لأنهم طالبوا بلقمة عيش وكرامة، هو نفسه النظام الذي قتل فتيات ونساء لأنهن كشفن شعورهن منذ أربعة أعوام. ففي شوارع طهران نساء واجهن "شرطة الاخلاق"، رفعن الصوت، خلعن الحجاب، وطالبن بالحرية والكرامة.

منذ أكثر من أربعة عقود، يمارس النظام الإيراني سياسة ممنهجة لإخضاع النساء تحت شعار "القيم"، بينما الحقيقة أنه نظام قائم على السيطرة والإذلال. كان الحجاب الإجباري دائمًا أداةً سياسية اعتمدها خامنئي لفرض قناعاته، من خلال تسليط القوة على جسد المرأة عبر "شرطة الأخلاق"، بهدف قمع المجتمع بأكمله وإخضاع نسائه. وما إن رفعت النساء الإيرانيات أصواتهن، حتى ردّ النظام بالرصاص، والسجن، والقتل البطيء.

كل اسم لامرأة قُتلت في شوارع إيران هو اتهام مباشر لنظامٍ يخاف من المرأة الحرة، يخشى من الانفتاح، ويرفض الحياة.

مهسا (جينا) أميني

لم تكن ناشطة سياسية ولا قائدة تنظيم، بل شابة إيرانية كردية كانت في الثانية والعشرين من عمرها حين قتلها النظام، مهسا تحوّلت إلى أيقونة الثورة، بعدما قررت دولتها أن تجعل من جسدها ساحة لافراغ العقد النفسية والمعتقدات. ففي أيلول 2022، اعتقلتها "شرطة الأخلاق" في طهران بذريعة عدم الالتزام بالحجاب الإجباري، لتخرج بعدها جثة. حاولت السلطة تزييف الحقيقة، لكن آثار الضرب، وشهادات العائلة، وغضب الشارع فضحت أفعال النظام. اسم "مهسا أميني" لم يعد اسم ضحية، بل عنوان للتمرّد، وصوتًا وحّد الايرانيات وجمعهن على شعار واحد: المرأة، الحياة والحرية. شعار واجه الرصاص، وأسقط وهم الشرعية، وكشف عن أن هذا النظام لا يحكم إلا بالعنف، ولا يستمر إلا بخنق الأصوات.

سيماء (سّبا) كرد أفشاري

هي واحدة من أبرز الوجوه النسوية التي واجهت نظام القمع في إيران بجرأةٍ واضحة، فدفعت ثمن كلمتها وحريتها سنواتٍ من عمرها خلف القضبان. سيماء هي شابة إيرانية رفضت الحجاب الإجباري لا من المنظور الشخصي للاعتراض، بل كفرض سياسي يفضح سلطةً ترى في المرأة مجالًا للسيطرة.

وبعدما ظهرت سيماء علناً من دون حجاب وشاركت في الاحتجاجات، اعتُقلت وحُكم عليها بأحكام قاسية بتهم مثل "نشر الفساد" و"التحريض على الإخلال بالأمن القومي".

"سيماء كرد أفشاري" ليست مجرّد معتقلة رأي، بل شاهد حيّ على نظامٍ يخاف امرأةً غير خاضعة تهدد شرعيته.

ويدا موحَّد

امرأة دخلت في الاحتجاجات الإيرانية وأصبحت رمزًا لكسر الخوف في وجه نظامٍ متسلط وظالم. في كانون الاول 2017، وقفت ويدا في شارع الثورة بطهران، رفعت حجابها على عصا، وخلعته علنًا.

من الخارج ترى ان هذا الفعل بسيط، لكن في الحقيقة ومن الداخل يمكن ان تتخيل الزلزال التي احدثته ويدا بالنظام.

ويدا لم تطلق صرخة او شعاراً او حتى كلمة، بل وقفت بجسدها وقفة صلبة، قوية وجريئة وحملت حجابها الأبيض بيدها. ويدا فتحت الباب أمام آلاف النساء ليحوّلن الاحتجاجات الفردية، والرفض الداخلي إلى حركة نسائية جماعية.

ما فعلته ويدا اصبح ايقونة ومصدر امل للكثير من النساء الايرانيات المظلومات، ليعرف لاحقًا بـ"فتيات شارع الثورة"، هذا الفعل قوبل برد فغل من النظام، فاعتقل، وسجن، ولاحق.

شاپاراك شاجاريزادِه

هي إحدى أبرز الناشطات الإيرانيات اللواتي واجهن الحجاب الإجباري كسياسة قمع لا كخيار ديني. برز اسمها مع حركة "فتيات شارع الثورة". اعتقلت من قبل النظام الايراني لكنها بعد الإفراج عنها، لم تتراجع، بل واصلت فضح القمع ما اضطرها لاحقًا إلى مغادرة إيران، لتصبح صوتًا للنساء الإيرانيات في المنفى. قضية شاپاراك كشفت بوضوح أن الحجاب الإجباري ليس مسألة أخلاق، بل أداة سياسية لمعاقبة المرأة الحرة.

نزيلا معروفیان

هي صحافية إيرانية تحوّل قلمها إلى فعل مقاومة مباشر في وجه نظام لا يحتمل الحقيقة. برز اسمها بعدما أجرت مقابلة جريئة مع والد مهسا (جينا) أميني، فنقلت رواية العائلة التي ناقضت رواية السلطة، لتصبح هدفًا مباشرًا للأجهزة الأمنية.

تعرّضت نزيلا للاعتقال والاستجواب والتهديد، وأُجبرت على الصمت القسري. قضيتها تكشف عن أن النظام الإيراني لا يقمع المتظاهرين فقط، بل يحارب الكلمة المحقة حين تتحوّل إلى دليل إدانة.

أسماء المظلومات، المقتولات والمقموعات لم تنته بعد، ولن تنتهي مع نظام قاتل بنى شرعيته على أسسٍ دموية، نظام يسجن امرأة بسبب قطعة قماش وسلطة تعتبر أي تمرّد نسوي تهديدًا أمنياً.

فهذا النظام لا يخاف النساء لأنهن ضعيفات، بل لأنه يعرف أن امرأة واحدة ترفض الخضوع أقوى من دولة مبنية على القمع، فلا شرطة أخلاق، ولا سجون، ولا مشانق استطاعت إخماد صوت هؤلاء النساء، لانهن اللواتي تعرّين من خوفهن وتسلحن بالقوة والشجاعة والكرامة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: