في زمنٍ تتحوّل فيه الشاشات إلى ساحات حرب خفيّة، لم تعد المعارك تُخاض بالأسلحة فقط، بل بالعقول أيضًا، إذ يُمارَس غسل دماغ ممنهج عبر الشائعات والصور المضلِّلة.
إنها الحرب الإعلامية والنفسية التي تتسلّل إلى الداخل بصمت لتوجّه طريقة تفكير الإنسان وسلوكه من حيث لا يدري.
في هذا الإطار، أوضحت المعالجة النفسية ماريا طوق في حديثٍ خاص لموقع LebTalks أن الحرب النفسية والإعلامية تبدأ غالبًا من خلال نشر الشائعات، حتى عبر بعض المنصات الإعلامية التي تقدّم معلومات غير دقيقة أو مضللة. وهي نوع من الحروب التي لا تعتمد على وسائل تُلحق الأذى الجسدي، بل تستهدف الجانب النفسي، وتهدف إلى الإحباط ونشر الذعر والخوف وزعزعة الثقة، ما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار لدى المواطنين ويجعلهم يشعرون بأنهم في خطر دائم، ما يساهم في زيادة السلوك العدواني.
وأكدت أن المسؤولية الأساسية لوسائل الإعلام في هذه الظروف تتمثّل في عدم نشر أي معلومات غير موثوق فيها، والامتناع عن عرض صور صادمة أو مؤذية نفسيًا، خصوصًا تلك التي تُظهر جثثًا أو أشخاصًا بإصابات بليغة.
كما شددت على ضرورة عدم استخدام عناوين صادمة بهدف جذب الانتباه، لما لذلك من تأثير سلبي يزيد من قلق المتلقّي، داعيةً في المقابل إلى تقديم محتوى توعوي وإرشادي، يتضمن خططًا يمكن للمواطنين اتباعها لحماية أنفسهم في حال وقوع أي خطر. وأكّدت على أهمّية تسليط الضوء على الأمل والتضامن، كجهود الصليب الأحمر، وفرق الإسعاف.
من جهته، اكّد الصحافي أنطوان الحاج أن الإعلام سلاح ذو حدّين، فإذا استُخدم بنزاهة وموضوعية كان أداة فعّالة للتوعية وتبيان الحقائق وخدمة المجتمع، أما إذا سُخّر لخدمة مصالح معينة داخلية أو خارجية، فقد يتحوّل إلى سبب في ضرب المجتمع وأحيانًا الدولة.
أضاف أن بعض وسائل الإعلام لعبت دورًا في تأجيج التوتر قبيل اندلاع الحرب في لبنان عام 1975، وساهمت في نشر الشائعات، مشيرًا إلى أن أكثر الشائعات فاعلية – كما يقول علم النفس – هي تلك التي يرغب المتلقي في تصديقها لأنها تتماشى مع أهوائه وانتماءاته السياسية والطائفية.
وتابع أن الوضع اليوم أصبح أكثر خطورة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، إذ تتيح التقنيات الحديثة نشر أي خبر أو معلومة، صحيحة كانت أم كاذبة، خلال ثوانٍ.
وختم بالتأكيد أن الحل يكمن في سنّ قوانين رادعة تُطبّق بآليات تنفيذية فعالة، بالتوازي مع اعتماد نهج تربوي وتنظيم حملات توعية حول مخاطر الإعلام المضلّل والبروباغندا المغرضة.
تبقى الحرب الإعلامية والنفسية خطرًا خفيًّا يؤثّر على وعي الأفراد وسلوكهم، ما يستدعي رفع مستوى الوعي وتعزيز الإعلام المسؤول للحدّ من التضليل والشائعات وحماية المجتمع من تأثيراته.